الصفحة 27 من 39

الأول: التقدير الأزلي: وهو كتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، عندما خلق الله القلم، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء) [1] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: أكتب، فقال: يا رب وماذا أكتب؟ فقال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) [2] .

الثاني: التقدير العمري، حين أخذ الميثاق، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين} [3] ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم - عليه السلام - بنعمان - يعني عرفه - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنشرها بين يديه، ثم كلمهم قبلًا، قال - عز وجل: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} إلى قوله تعالى: {المبطلون} [4] .

الثالث: التقدير العمري أيضًا، عند تخليق النطفة في الرحم، قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذا أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [5] وقوله - صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد ... ) [6] الحديث.

الرابع: التقدير الحولي، في ليلة القدر، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا)} [7] .

الخامس: التقدير اليومي، قال تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ} ) [8] (.

(( وكل هذه التقادير كالتفصيل في القدر السابق، وهو الأزلي الذي أمر الله تعالى القلم عند خلقه أن يكتبه في اللوح المحفوظ، وبذلك فسر ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ) [9] ، وكل ذلك صادر عن علم الله الذي هو صفته تبارك وتعالى )) [10] .

المبحث التاسع

في قوله - صلى الله عليه وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)

يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة.

يذكر ابن رجب أن معرفة العبد لربه نوعان: (( أحدهما - المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به والإيمان، وهذه عامة للمؤمنين.

والثاني - معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه )) .

كما يذكر ابن رجب أن معرفة الله لعبده نوعان، أيضًا، هما: الأول: معرفة عامة، وهي علمه تعالى بعباده واطلاعه عليهم، قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم} وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} .

والثاني: معرفة خاصة، وهي تقتضي المحبة وإجابة الدعاء ونحو ذلك [11] .

(1) سبق تخريجه.

(2) سبق تخريجه.

(3) سورة الأعراف، الآية 172.

(4) الحديث رواه الإمام أحمد 1/ 272، وابن أبي عاصم 202، وصححه الألباني في سلة الأحاديث الصحيحة ح 1623.

(5) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر، ح 4700، والترمذي في كتاب القدر، ح 2155، واحمد 5/ 317، وانظر: صحيح سنن الترمذي 2/ 450، ح2155.

(6) ورواه مسلم في كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، ح2653.

(7) سورة الدخان، الآيتان 4، 5.

(8) سورة الرحمن، الآية 29.

(9) سورة الجاثية، الآية 29.

(10) أعلام السنة المنشورة ص 133.

(11) انظر جامع العلوم والحكم، ص 252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت