الصفحة 28 من 39

ويقول ابن علان (ت 1057 هـ) : (( ... ،(تعرّف) بتشديد الراء: أي تحب (إلى الله في الرخاء) بالدأب في الطاعات، والإنفاق في وجوه القرب والمثوبات، حتى تكون متصفًا عنده بذلك، معروفًا به، (يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك، وجعله لك من كل ضيق فرجًا، ومن كل هم مخرجًا، بواسطة ما سلف منك من ذلك التصرف )) [1] .

والمراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - (يعرفك في الشدة) : أي المعرفة الخاصة التي تقتضي النصر والتأييد والقرب، قال - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - عز وجل: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) [2] .

فمتى تعرّف العبد إلى الله في الرخاء المعرفة التامة الخاصة، وذلك بحرصه على إكمال إخلاص عبادته، وخضوعه لله تعالى، واتباعه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، عرفه الله في كل وقت، وبخاصة في وقت الشدائد والكرب، فينصره الله ويؤيده، ويسدده في سمعه وبصره، ويده ورجله، ويعطيه سؤاله، ويعيذه ويحفظه.

يقول - صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب؛ فليكثر الدعاء في الرخاء) [3] .

ويونس - عليه السلام - إنما نجاه الله بسبب ذكره الله في الرخاء، قال تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [4] .

يقول الطبري: (( يقول تعالى ذكره:(فلولا أنه) يعني يونس كان من المصلين لله، قبل البلاء، الذي ابتلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ... ، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء؛ فأنقذه ونجاه )) [5] ، وأشار إلى هذا القول ابن كثير بقوله: (( قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء ) )تم نسبه إلى بعض أهل العلم. [6] واستدل عليه بحديث ابن عباس [7] ، وقيل معناه لولا أنه سبح الله في بطن الحوت، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والتوبة إلى الله [8] .

وفرعون كان طاغيًا باغيًا، فلما أدركه الغرق {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِين} [9] فقال الله تعالى له: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [10] ، أي أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه، وكنت من المفسدين في الأرض الذين أضلوا الناس، فهو سبحانه يبين أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له [11] .

ومن اتقى الله في جميتع أحواله جعل الله له مخرجًا من المضائق والمحن، يقول الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب} [12] أي من يتق الله يجعل له مخرجًا ونجاه من كل كرب في الدنيا والآخرة، ومن كل شيء ضاق على الناس، ويرزقه من جهة لا تخطر بباله، ولهذا يروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال عن هذه الآية بأنها أكبر آية في القرآن فرجًا [13] ، (( فكل من اتقى الله ولازم مرضاته في جميع أحواله، فإن الله يثبته في الدنيا والآخرة، ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة، ... ، ويسوق الله الرزق للمتقي من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به ) ) [14] .

وإذا كان من يتقي الله يجعل له فرجًا ومخرجًا، فإن من لم يتق الله يقع في الآصار والأغلال والشدائد التي لا يقدر على التخلص منها، والخروج من تبعاتها [15] ، قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} [16] .

(1) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 1/ 232.

(2) سبق تخريجه.

(3) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم (9) ، ح 3379، والحاكم 1/ 544، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/ 140 ح 593.

(4) سورة الصافات، الآيات 139 - 147.

(5) جامع البيان في تفسير القرآن 23/ 64.

(6) انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 22.

(7) انظر البداية والنهاية 1/ 219.

(8) انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(9) سورة يونس، الآية 90.

(10) سورة يونس، الآية 91.

(11) انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 421.

(12) سورة الطلاق، الآيتان 2، 3.

(13) انظر دقائق التفسير 5/ 8 - 10، وتفسير القرآن العظيم 4/ 380.

(14) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 806.

(15) انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(16) سورة آل عمران، الآية 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت