القلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، وقد رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام [1] ، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوجبه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسُّفلي.
القلم الثالث: حين خلق آدم - عليه السلام -، وهو قلم عام أيضًا، لكن لبني آدم.
القلم الرابع: حين يُرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ويأمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويأمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد) [2] الحديث.
القلم الخامس: الموضوع على العبد، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [3] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يعقل، وعن الصبي حتى يحتلم) [4] .
وقد اختلف العلماء هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟
-فقيل بأن العرش قبل القلم لقوله - صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) ، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم.
-وقيل بأن القلم أول المخلوقات بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) .
ولعل القول الأول أصح للحديث الصريح الصحيح السابق الذي يدل على أن العرش مخلوق قبل تقدير الله مقادير الخلق، أما قوله - صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب) فإن معناه: عند أول خلقه قال له اكتب، ويدل عليه لفظ: (أول ما خلق الله القلم قال له اكتب) ، بنصب (أولَ) و (القلمَ) ، وحملت رواية الرفع (أولُ) و (القلمُ) على أن القلم أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان؛ إذ حديث القول الأول يدل على أن العرش سابق على التقدير، وحديث القول الثاني يدل على أن التقدير مقارن لخلق القلم [5] .
وقد رجح القول الأول ابن تيمية، وذكر أنه مذهب (( كثير في السلف والخلف ) ) [6] .
هذا وقد رجح بعض أهل العلم أن القلم أول مخلوق، واستدل برواية: (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون) [7] ، قال الألباني: (( وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ، فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى؛ لأنه نص في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص، كما هو معلوم، وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل؛ لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها، ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود، فلا يجوز هذا التأويل ) ) [8] .
والإيمان باللوح والقلم هو من الإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا يذكرهما هل العلم ضمن الإيمان بالمرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر، وهي مرتبة الإيمان بكتابة المقادير، ويدخل في هذه المرتبة خمسة من التقادير هي:
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، ح 349، ومسلم كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ح 263.
(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ح 3208، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، ح 2645.
(3) سورة الانفطار، الآيات 10 - 12.
(4) علقه البخاري في صحيحه، في كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب: في المجنون يسرق، أو يصيب حدًا، ح 4399، والترمذي في كتاب الحدود، باب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، ح 1423، وابن ماجة، كتاب الطلاق، باب: طلاق المعتوه والصغير، ح 2042، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/ 117، ح 1423.
(5) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص 345.
(6) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 2/ 275 و 16/ 139، ومنهاج السنة النبوية 1/ 361، 362.
(7) رواه ابن أبي عاصم في السنة، ح 108، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 3، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 257 ح 133.
(8) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 258.