الصفحة 25 من 39

طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعًا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا )) [1] . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم: (وما أصابك لم يكن ليخطئك) أعظم وقاية ضد القلق النفسي، وسائر الهواجس والاضطرابات النفسية، التي يشتكي منها كثير من الناس، حتى سماها بعضهم بمرض العصر، فمن آمن بهذا الحديث اطمأن قلبه وانشرح صدره، وعلم أن كل ذلك بقضاء الله وقدره، وأنه خير له، فيبتعد عن التضجر والزفرات والحسرات، جاء في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) [2] .

المبحث الثامن

في قوله - صلى الله عليه وسلم: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) أي تركت الكتابة في الصحف، لفراغ الأمر وانبرامه منذ أمد بعيد، فقد تقدم كتابة المقادير كلها، فما كتبه الله فقد انتهى ورُفع، والصحف جفت من المداد، ولم يبق مراجعة. فما أخطئك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. وهذا يدل على أن ما في علم الله تعالى، أو ما أثبته سبحانه في أم الكتاب ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا ينسخ، وما وقع وما سيقع كله بعلمه تعالى وتقديره [3] ، وهذه الجملة من الحديث تأكيد لما سبق من الإيمان بالقدر، والتوكل على الله وحده، وأن لا يتخذ إلهًا سواه، فإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به، ولهذا قال: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) : أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل [4] .

ويشهد لهذا قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} [5]

وقوله - صلى الله عليه وسلم - (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يارب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) [6] .

وقوله: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) [7] .

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه، وشقي أو سعيد) [8] .

وعن جابر - رضي الله عنه - أن رجلًا قال: يا رسول الله فيم العمل اليوم؟ أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: (لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير) قال: ففيم العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر) [9] .

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خلق الله كل نفس، وكتب حياتها، ورزقها، ومصائبها) [10] .

وفي قوله: (رفعت الأقلام) جاءت (الأقلام) في هذا الحديث وفي غيره، مجموعة، فدل ذلك على أن للمقادير أقلامًا، وقد ذكر العلماء أقسامًا للأقلام، وهي [11] :

القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو القلم الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، وهذا أول الأقلام وأفضلها وأجلها، كما دل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، قال: يارب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) .

(1) المصدر السابق ص 47

(2) رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، ح 2664.

(3) انظر شرح رياض الصالحين 2/ 455، وبهجة الناظرين شرح رياض الصالحين 1/ 136.

(4) انظر شرح الأربعين حديثًا النووية ص 55.

(5) سورة الحديد، الآية 22.

(6) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر، ح 4700، والترمذي في كتاب القدر، ح 2155، وأحمد 5/ 317، وانظر صحيح سنن الترمذي 2/ 450 ح 2155.

(7) رواه مسلم في كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، ح 2653.

(8) أخرجه أحمد في المسند 5/ 197، وابن أبي عاصم في السنة ح 304، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/ 774 ح 4201.

(9) سبق تخريجه.

(10) رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر، ورواه أحمد 1/ 440، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/ 446 ح 2143.

(11) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص 345 - 348 بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت