اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا. قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [1] . يعني أن من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه، روى ابن كثير عن ابن عباس أنه قال، في قوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} : يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه [2] . يقول ابن دقيق العيد: (( هذا هو الإيمان بالقدر، والإيمان به واجب، خيره وشره، و إذا تيقن المؤمن هذا، فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به ) ) [3] . ومما يجب أن يعلم أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد، والحرص على العمل الصالح وحسن الاتباع، ولهذا لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها، قال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - (اعملوا فكل ميسر) [4] ، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [5] . (( فالله - سبحانه وتعالى - قدر المقادير وهيأ لها أسبابًا، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر كلًا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له ميسر له؛ فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادًا في فعلها والقيام بها، وأعظم منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه، وقد فقه هذا كل الفقه من قال من الصحابة لما سمع أحاديث القدر: ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن ) ) [6] . وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) [7] ، وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه لما قيل له: أرأيت دواءً نتداوى به ورقى نسترقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: (هي من قدر الله) [8] ، يعني إن الله - سبحانه وتعالى - قدر الخير والشر، وأسباب كل منهما [9] . والأسباب وإن عظمت إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئًا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، وعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتب في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، (( وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنه أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير ) ) [10] .ولهذا جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) [11] . يقول ابن رحب: (( واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس على هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم جميعًا على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع، والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه - عز وجل -، وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال، وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة، لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله - سبحانه وتعالى - من يعبد ما لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئًا، وأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان وقلبه يقدّم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر، وبالعطاء والمنع، أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة، ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعًا، كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به والطلب منه ) ) [12] .ثم قال أيضًا شارحًا حديث ابن عباس: (( ثم عقب ذلك بذكر إفراد الله بالسؤال و إفراده بالاستعانة، وذلك يشمل حال الشدة وحال الرخاء، ثم ذكر بعد هذا كله الأصل الجامع الذي تنبني عليه هذه المطالب كلها، وهو تفرد الله - سبحانه وتعالى - بالضر والنفع والعطاء والمنع، وإنه لا يصيب العبد في ذلك كله إلا ما سبق تقديره و قضاه له، و أن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدر في الكتاب السابق، و تحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة و العبادة أيضًا، وأن يقدم
(1) سورة التغابن، الآية 11.
(2) انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 375.
(3) شرح الأربعين حديثًا النووية ص 55.
(4) سبق تخريجه.
(5) سورة الليل، الآيات 5 - 7.
(6) أعلام السنة المنشورة ص 134.
(7) سيأتي تخريجه بعد قليل.
(8) رواه ابن ماجة، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، والترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الأدوية، ح 2065، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(9) انظر أعلام السنة المنشورة ص 134 - 135.
(10) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 121، 781.
(11) رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، ح 2144، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/ 446، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ح 2439.
(12) نور الاقتباس ص 46 ,