الصفحة 19 من 39

هذه الآية العظيمة التي يتلوها المسلم في كل ركعة من ركعات صلواته، وهي آية من سورة الفاتحة، التي (هي أعظم السور في القرآن) [1]

ومعنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : أي نخصك وحدك يا إلهنا بالعبادة والاستعانة، وذلك لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور وفيه عما عداه، ف: انه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك، أي نوحدك ونطيعك خاضعين، ونطلب منك وحدك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا [2] .

(( وللقيام بعبادة الله تعالى، والاستعانة به هما الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما، وإنما تكون العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مقصودًا بها وجه الله، فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى؛ فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي ) ) [3]

وجاء في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولاتعجز) [4] ، أي احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك، ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة [5] .

ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه خطبة الحاجة، وهي: (أن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... ) [6] الحديث.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وتستحب هذه الخطبة في افتتاح مجالس التعليم، والوعظ، والمجادلة، وليست خاصة بالنكاح) [7] .

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده، وقال: (يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول:(اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) [8] .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو ويقول: (رب أعني، ولا تُعن عليّ) [9] الحديث.

فالمسلم مطالب بالاستعانة بالله تعالى في فعل المأمورات، واجتناب المنهيات.

يقول ابن تيمية عند تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : (( وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وإذا كان قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه ... ، كما أمر بهما في قوله: {فاعبده وتوكل عليه} ، والأمر له ولأمته، وأمره بذلك في أم القرآن، وفي غيرها، لأمته؛ ليكون فعلهم ذلك طاعة لله، وامتثالًا لأمره، لا تقدمًا بين يدي الله ورسوله، وإلى هذين الأصلين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصد في عبادته وأذكاره ومناجاته، مثل قوله في الأضحية:(اللهم هذا منك ولك وإليك) [10] ؛ فإن قوله: منك، هو معنى التوكل والاستعانة، وقوله: لك، هو معنى العبادة )) [11] .

وقال في موضع آخر: (( فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فهاتان الكلمتان قد قيل إنهما تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء ) ) [12] .

ويذكر ابن القيم أن آية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (( متضمنة لأجلّ الغايات وأفضل الوسائل، فأجلّ الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجل الوسائل ... ، وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد، وهما توحيد الربوبية وتوحيد

(1) جزء من حديث أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في الفاتحة.

(2) انظر: معالم التنزيل 1/ 41، وتفسير القرآن العظيم 1/ 24، 25.

(3) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 22.

(4) رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، ح2664.

(5) صحيح مسلم بشرح النووي 16/ 215.

(6) رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، ح 2118، والترمذي في النكاح، ح 1105، والنسائي، في الجمعة، باب كيف الخطبة، 3/ 105، وابن ماجة، في النكاح، باب خطبة النكاح، ح 1892، وانظر: صحيح ابن ماجة 1/ 319، ح 153.

(7) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 18/ 287.

(8) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاستغفار، ح 1522، والنسائي، في السهو، باب نوع آخر من الدعاء 3/ 53، واحمد في المسند 5/ 245، وانظر: صحيح الكلام الطيب، ح 115، وصحيح الجامع الصغير 2/ 1320، ح 3063.

(9) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم، ح 1510، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ح 3546، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وانظر: صحيح سنن الترمذي 3/ 461، ح 3551، وصحيح سنن ابن ماجة 2/ 324، ح 3830.

(10) رواه أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، ح 2795.

(11) دقائق التفسير 1/ 173، 174، وانظر منهاج السنة 4/ 244.

(12) دقائق التفسير، ص 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت