على هلاك ماله؛ لأن سبب ذهاب ماله أمر ظاهر، والثالث: صاحب مال هلك ماله بسبب خفي من لص، أو خيانة، أو نحو ذلك، فهذا تحل له المسألة، ويعطى من الصدقة بعد أن يذكر جماعة من أهل الاختصاص به، والمعرفة بشأنه أنه قد هلك ماله )) [1] .
وقد ذكر النووي (ت 676 هـ) ، اتفاق العلماء على النهي عن السؤال إذا لم تكن ضرورة، ثم قال: (( واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنها حرام؛ لظاهر الأحاديث والثاني حلال مع الكراهية بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول؛ فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق ) ) [2] .
وإذا علم المسلم أن الغني القادر الذي بيده الخير كله هو الله - سبحانه وتعالى -، تربى على الأنفة والاستغناء عن المخلوقين، وعلم أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو التعلق بالله تعالى والتوكل عليه، وعبادته والالتجاء إليه، مع الأخذ بأسباب الجد والعمل، وبذلك يحفظ المسلم ماء وجهه من التذلل والسؤال، وخفض الأكف والانكسار للأشخاص مهما كانوا، فيحفظ كرامته، وتبقى له عزته ومكانته.
المبحث السادس
في قوله - صلى الله عليه وسلم: (وإذا استعنت فاستعن بالله)
الاستعانة طلب العون من الله تعالى، بلسان المقال، كأن تقول، عند شروعك بالعمل: اللهم أعني، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، أو بلسان الحال، وهي أن تشعر بقلبك أنك محتاج إلى الله تعالى أن يعينك على هذا العمل، وأنه إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى ضعف وعجز، أو طلب العون بهما جميعًا، والغالب أن من استعان بلسان المقال فقد استعان بلسان الحال [3] .
فتجب الاستعانة بالله تعالى على تحمل الطاعات، وترك المنهيات، كما تجب الاستعانة به سبحانه على الصبر على المقدورات؛ فإن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في الإتيان بهذه الأمور، ولا بد له من طلب الإعانة من ربه - سبحانه وتعالى -، ولا معين للعبد على مصالح دينه ودنياه إلا الله - عز وجل -، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن فرط في حق الله تعالى، لم يعنه الله، فهو المخذول.
يذكر ابن كثير (ت 774 هـ) أن الدين كله يرجع إلى العبادة والاستعانة، فالعبادة تبرؤ من الشرك، والاستعانة تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله - عز وجل -، وهذا المعنى في غير آية من القرآن [4] ، مثال ذلك قوله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [5] ، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [6] ، وقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [7] ، وقوله: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [8] ، ونحو ذلك من الآيات.
ولهذا أشار الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت 1206 هـ) ، أن معنى الاستعانة: (( سؤال الله الإعانة وهو التوكل والتبري من الحول والقوة ) ) [9]
ويعرف أحد العلماء الاستعانة بقوله: (( والاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى، في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك ) ) [10]
ويؤكد هذا التعريف قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين [11] }
(1) انظر شرح السنة 6/ 125، 126.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 7/ 127.
(3) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد 3/ 130.
(4) انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 24.
(5) سورة هود، الآية 123.
(6) سورة الملك، الآية 29.
(7) سورة المزمل، الآية 9.
(8) سورة هود، الآية 88.
(9) تفسير الفاتحة، ص 52.
(10) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 22.
(11) سورة الفاتحة، الآية 5.