الصفحة 17 من 39

يبين هود - عليه السلام - أنه واثق غاية الوثوق أنه لا يصيبه منهم، ولا من آلهتهم أذى؛ ولهذا أشهد الله وأشهدهم أنه - عليه السلام - بريء من جميع الأنداد والأصنام، ثم قال لهم: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} أي اطلبوا لي الضرر كلكم، أنتم وآلهتكم، إن كانت حقًا، بكل طريق تتمكنون بها مني ولا تمهلون طرفة عين، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ} واعتمدت عليه في أمري كله، فهو خالق الجميع، ومدبرنا وإياكم، وهو الذي ربانا، فلا تتحرك دابة ولا تسكن إلا بإذنه، فلوا اجتمعتم جميعًا على الإيقاع بي، والله لم يسلطكم علي، لم تقدروا على ذلك؛ فإن سلطكم فلحكمة أرادها، {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي على عدل وقسط وحكمة، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم، التي يحمد، ويثنى عليه بها [1] .

أما سؤال الناس فيما يقدرون عليه فتركه أولى، وذلك أن في طلب الناس وسؤالهم ذلة وخضوعًا، والمسلم مطالب بإظهار كمال الذل والخضوع لله وحده لا شريك له.

يقول ابن رحب: (( واعلم أن سؤال الله تعالى، دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة ) ) [2] .

وقال في كتاب آخر: (( واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا، وذلك من وجوه متعددة، منها: أن السؤال فيه بذل ماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذل إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة.

ومنها أن في سؤال الله عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه، ودفع الضر عنها فكيف يقدر على ذلك لغيره؟ وسؤاله إقامة له مقام من يقدر، وليس هو بقادر.

ومنها أن الله يحب أن يسأل، ويغضب على من لا يسأله، فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه، ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه، ...

ومنها: أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فاستجيب له ... ، فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا، ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق؛ فإنه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إليه في أغلب الأوقات )) [3] .

ولهذا كان عقوبة من سأل الناس تكثرًا أن يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) [4] .

وقال - صلى الله عليه وسلم: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة، حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا) [5] .

في هذا الحديث يبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن من يحل له المسألة من الناس ثلاثة: الأول صاحب الحمالة، وهو أن يكون بين القوم تشاحن، في دم أومال، فيسعى رجل في إصلاح ذات بينهم، ويضمن مالًا يبذل في تسكين ذلك التشاحن، فإنه يحل له السؤال، ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ ذمته عن الضمان، وإن كان غنيًا، والثاني: أن يكون معروفًا بالمال، فيهلك ماله بسبب ظاهر كالجائحة، فهذا يحل له الصدقة، حتى يصيب ما يسد خلته به، ويعطى من غير بينة، تشهد

(1) انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 231، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 340.

(2) جامع العلوم والحكم ص 481.

(3) نور الاقتباس ص31؛ وانظر الوافي في شرح الأربعين النووية ص 127.

(4) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا، ح (1474) . ورواه مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، ح (1040) .

(5) رواه مسلم كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة، ح 1044.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت