والله - سبحانه وتعالى - يحب أن يُسأل ويُرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، قال - صلى الله عليه وسلم: (من لم يدْعُ الله سبحانه يغضب عليه) [1] .، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك.
وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [2] ، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) [3] .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) [4] .
يقول ابن القيم (ت 751 هـ) في شرح هذه المسألة: (( وهذا كله تحقيق للتوحيد والقدر، وأنه لا رب غيره، ولا خالق سواه، ولا يملك المخلوق لنفسه، ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل الأمر كله لله، ليس لأحد سواه منه شيء، كما قال تعالى لأكرم خلقه عليه، وأحسنهم إليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْء} [5] وقال جوابًا لمن قال: {هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ} [6] {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [7] ، فالملك كله له، والأمر كله له، والحمد كله له، والشفاعة كلها له، والخير كله في يديه، وهذا تحقيق تفرده بالربوبية والألوهية، فلا إله غيره، ولا رب سواه، {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون} [8] {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} [9] ، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [10] فاستعذ به منه، وفرّ منه إليه، واجعل لجاك منه إليه، فالأمر كله له، لا يملك أحد معه منه شيئًا، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا يضرّ سم ولا سحر ولا شيطان ولا حيوان ولا غيره إلا بإذنه ومشيئته، يصيب بذلك من يشاء، ويصرفه عمن يشاء ) ) [11] .
ولذلك قال تعالى؛ مخبرًا عن نوح - عليه السلام - أنه قال لقومه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ} [12] .
فنوح - عليه السلام - قال لقومه: إن كان عظم عليكم مقامي فيكم بين أظهركم، وتذكيري إياكم بحجج الله وبراهينه، {فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ} ؛ فإني لا أبالي، ولا أكف عنكم، سواء عظم عليكم، أولا، فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم، الذين تدعون من دون الله، من صنم ووثن، {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} ، أي ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسًا، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إليّ ولا تتأخروا ساعة واحدة، مهما قدرتم فافعلوا؛ فإني لا أباليكم، ولا أخاف منكم؛ لأنكم لستم على شيء [13] .
وقال تعالى، مخبرًا عن هود - عليه السلام: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [14] .
(1) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم (3) ح 3370، وأحمد 2/ 442، وابن ماجه ح 3827، وقال الألباني عنه بأنه حديث حسن، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ح 2654، وصحيح ابن ماجه 3085.
(2) سورة البقرة، الآية 186.
(3) رواه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ح 1145.
(4) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ح 2577.
(5) سورة آل عمران، الآية 128
(6) سورة آل عمران، الآية 154.
(7) سورة آل عمران، الآية 154.
(8) سورة الزمر، الآية 38.
(9) سورة الأنعام، الآية 17.
(10) سورة فاطر، الآية 2.
(11) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ص 273.
(12) سورة يونس، الآية 71.
(13) انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 407.
(14) سورة هود، الآيات 54 - 56.