الألوهية، وتضمنت التعبد باسم الرب، واسم الله، فهو يعبد بألوهيته، ويستعان بربوبيته، ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته ... ، وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله، لا يعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه )) [1] .
كما أن العبد مطالب بالصبر والاستعانة بالله تعالى عند وقوع المصائب والابتلاءات، ولهذا قال يعقوب - عليه السلام -، عند وقوع مصيبته: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [2] .
ولما قال أهل الإفك ما قالوا في عائشة رضي الله عنها قالت: (( والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ، فبرأها الله مما قالوا ) ) [3] .
وعندما هدد فرعون موسى وقومه، {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [4] ، فجاء الأمر على خلاف ما أراد فرعون؛ إذ أعزهم الله وأذله، وأرغم أنفه، وأغرقه وجنوده [5] .
وأخبر الله تعالى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه لما كذبه قومه: {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون} [6] ، أي والله المستعان عليكم فيما تقولون وتفترون من التكذيب والإفك [7] .
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدعو في قنوته بقوله: (اللهم إنا نستعينك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك) [8] .
ولما بشَّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بالجنة، مع بلوى تصيبه، قال - رضي الله عنه: (( اللهم صبرًا، الله المستعان ) ) [9] .
وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأحد الصحابة: (قل لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة) [10] . يقول ابن حجر (ت 852 هـ) ، (( تسمى هذه الكلمة كنزًا؛ لأنها كالكنز في نفاسته، وصيانته عن أعين الناس ... ؛ لأن معنى(لا حول) لا تحويل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله ... ، وحاصله أن المراد أنها من ذخائر الجنة، أو من محصلات نفائس الجنة )) [11] . ويقول النووي: (( قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له ... ) ) [12] . فهي كلمة عظيمة تتضمن اعتراف العبد بأنه لا تحول له من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بإعانة الله وحده. فالاستعانة لا تطلب من أي إنسان، إلا عند الضرورة، وفيما يقدر عليه فقط، وإذا اضطر العبد الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فعليه أن يجعل ذلك وسيلة وسببًا، لا ركنًا يعتمد عليه، وإنما الركن الأصيل الذي يعتمد عليه في الدعاء والسؤال والاستعانة هو الله وحده لا شريك له. كما أنّ على العبد إذا احتاج إلى الاستعانة بالمخلوق، كحمل صندوق مثلًا، أن لا يشعر نفسه أن هذه استعانة كاستعانته بالخالق، وإنما عليه أن يشعر أنها كمعونة بعض أعضائه لبعض، كما لو عجز عن حمل شيء بيد واحدة، فإنه يستعين على حمله باليد الأخرى [13] . وعلى هذا فالاستعانة بالمخلوق، فيما يقدر عليه، كالاستعانة ببعض الأعضاء، فلا ينافي ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (فاستعن بالله) . فإذا وقع العبد في مكروه وشدة فلا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه، أو الإخبار بحاله بعد الاستعانة بالله تعالى، ولا يكون هذا شكوى للمخلوق؛ فإنه من الأمور العادية، التي جرى العرف باستعانة الناس، بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف - عليه السلام - للذي ظن أنه ناج من الفتيين [14] : {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [15] . والمصيبة العظيمة، والخطر الجسيم فيمن يسأل أو يستعين بأصحاب القبور، أو غيرهم ممن يسمون بالأولياء والصالحين، سواء أكانوا أمواتًا أم أحياء فيسألهم ويستعين بهم فيما لا يقدرون عليه من جلب نفع أو دفع ضر، أو رزق ولد، أو دخول الجنة، أو النجاة من النار، ونحو ذلك مما هو واقع في بعض البلاد، فإن هذا شرك بالله تعالى، إذ هو وحده القادر على كل شيء، وما دونه من نبي أو ولي لا يملك لنفسه جلب الخير أو
(1) كتاب الصلاة وحكم تاركها، ص 104.
(2) سورة يوسف، الآية 18.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، ح 2661.
(4) سورة الأعراف، الآية 128.
(5) انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 229.
(6) سورة الأنبياء، الآية 112.
(7) انظر تفسير القرآن العظيم 3/ 197.
(8) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 61/1 و 12/ 42/1، وصححه الألباني، انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل 2/ 170 ح 428.
(9) أخرجه مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ح 2403.
(10) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة، ح 6384.
(11) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 11/ 188، 500، 501.
(12) صحيح مسلم بشرح النووي 17/ 26.
(13) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد 3/ 130، وشرح رياض الصالحين 2/ 452، 453.
(14) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 365.
(15) سورة يوسف، الآية 42.