الصفحة 13 من 39

من حفظ الله بحفظ توحيده وشريعته، وقام بأوامر الله تعالى، واجتنب نواهيه وجد الله تجاهه وأمامه، ومعناهما واحد، أي وجد الله أمامه يدله على كل خير، ويذود عنه كل شر، وبخاصة إذا حفظ الله بالاستعانة به والتوكل عليه، فإن الإنسان إذا استعان بالله، وتوكل على الله كان الله حسبه وكافيه، ومن كان الله حسبه؛ فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [1] ، (( أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك كما يظنه بعض المغالطين؛ إذ هو وحده كاف نبيه، وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسبًا للرسول ) ) [2] .

وقال تعالى: {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ} [3] ؛ فإذا كان الله حسب الإنسان، أي كافيه؛ فلن ينالوه بسوء، ولا يزال عليه من الله حافظ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله تجده تجاهك) .

قال ابن حجر الهيتمي: (( أي تجده معك بالحفظ، والإحاطة والتأييد والإعانة، حيثما كنت، فتأنس به، وتستغني به عن خلقه ... ، على حد قوله تعالى: {أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [4] ، {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [5] ... ، المعنى تجده حيثما توجهت وتيممت وقصدت من أمر الدين والدنيا ) ) [6] .

ومعية الله لخلقه نوعان:

الأولى: المعية الخاصة بالمؤمنين، الحافظين حدود الله، وهي تقتضي النصر والتأييد، والحفظ والإعانة، وتوجب لمن آمن بها كمال الثبات والقوة. ودليل هذه المعية الخاصة قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [7] ، وقوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [8] ، وقوله تعالى عن موسى أنه قال: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [9] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وهما في الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [10] ، وقوله تعالى: {وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [11] .

فمن حفظ الله حفظه الله وأيده ونصره.

الثانية: المعية العامة لجميع الخلق، وهي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، في العلم، والقدرة، والتدبير، والسلطان، وغير ذلك من معاني الربوبية.

وهي توجب لمن آمن بها كمال المراقبة لله - عز وجل -.

ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَمَا كُنْتُمْ} ) [12] ، وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [13] ، وقوله: {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْل} [14] .

والكتاب والسنة يدلان على قرب الله تعلى من عبده الحافظ لدينه، يقول الله - عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [15] .

وقول الله تعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) [16] .

والمراد أن الله - عز وجل - يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده، كله لله تعالى، إخلاصًا، وبالله تعالى استعانة، وفي الله تعالى شرعًا واتباعًا، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق) [17] .

(1) سورة الأنفال، الآية 64.

(2) انظر الرسالة التدمرية ص 153.

(3) سورة الأنفال، الآية 62.

(4) سورة البقرة، الآية 194.

(5) سورة البقرة، الآية 153.

(6) فتح المبين لشرح الأربعين ص 172.

(7) سورة النحل، الآية 128.

(8) سورة طه، الآية 46.

(9) سورة الشعراء، الآية 62.

(10) سورة التوبة، الآية 40، والحديث رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، ح3653، ورواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر - رضي الله عنه - ح 2381.

(11) سورة الأنفال، الآية 19.

(12) سورة الحديد، الآية 4.

(13) سورة المجادلة، الآية 7.

(14) سورة البقرة، الآية 108.

(15) سورة البقرة، الآية 186.

(16) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع ح 6502.

(17) انظر القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ص 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت