وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: (من تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) ) [1] .
فالله - سبحانه وتعالى - يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه جل وعلا، ويأتي عبده كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) : (( وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر ) )) [2] .
وروى ابن رجب عن قتادة (ت 118 هـ) أنه قال: (( من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل ) ).
وذكر أن بعض السلف كتب إلى أخ له يقول: (( أما بعد، فإن كان الله معك فممن تخاف؟! وإن كان عليك فمن ترجو؟! والسلام ) ) [3] .
ولا شك أن الذي يحفظ عقيدته من الانحراف، وعمله من الشرك، ويتقي الله يكون الله معه، بنصره وتأييده، يهديه ويحفظه، ويؤمنه، ومن اتبع الشبهات، أو ضيع حدود الله فقد عرّض نفسه للهلاك.
فمن أراد أن يتولى الله حفظه ورعايته في أموره كلها، فليراعِ حقوق الله عليه، ومن أراد ألا يصيبه شيء مما يكره، فلا يأتِ شيئًا مما يكرهه الله منه، وعلى قدر اهتمام العبد بحقوق الله ومراعاة حدوده وحفظه لها، يكون حفظ الله له ونصره وتأييده، ومن كان غاية همه توحيد الله ومعرفته وطلب قربه ورضاه؛ فإن الله يكون له حسب ذلك، بل هو سبحانه أكرم الأكرمين، فهو يجازي بالحسنة عشرًا ويزيد، ومن تقرّب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا، ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة.
المبحث الخامس
في قوله - صلى الله عليه وسلم: (وإذا سألت فاسأل الله)
قوله: (إذا سألت فاسأل الله) أي لا تعتمد على أحد من المخلوقين، وإذا احتجت فاسأل الله وحده، يأتيك رزقك من حيث لا تحتسب، أما إذا سأل الإنسان المحتاج الناس فربما أعطوه أو منعوه، ولهذا جاء في الحديث: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ثم يبيعه لكان خيرًا له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) [4] .
فعلى المسلم أن يتجه بسؤاله لله وحده، ويدعوه بإلحاح، مثل أن يقول: (اللهم ارزقني) ، و (اللهم أغنني بفضلك عمَّن سواك) وما أشبه ذلك من الكلمات [5] . وفي قوله: (إذا سألت فاسأل الله) أمر بإفراد الله - سبحانه وتعالى - بالسؤال، ونهي عن سؤال غيره.
وقال الله - سبحانه وتعالى: {وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ} [6] ، وقال جل وعلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [7] .
(( وهذا من لطفه بعباده، ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعّد من استكبر عنها ) ) [8] .
(1) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى ح 2687، وروى البخاري نحوه في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} ح 7405.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 5/ 466.
(3) انظر نور الاقتباس ص 22.
(4) رواه البخاري، كتاب الزكاة ح 1471.
(5) انظر شرح رياض الصالحين 2/ 452.
(6) سورة النساء، الآية 32.
(7) سورة غافر، الآية 60.
(8) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 687.