الصفحة 12 من 39

ذكر ابن كثير (ت 774هـ) أن أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري الشافعي (ت 450هـ) ، قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يومًا وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: (( هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر ) ) [1] .

وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس، فقال بأن هذا الشيخ لم يحفظ الله في صغره، فلم يحفظه الله في كبره [2]

وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته، في ذريته، بدليل قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّك} [3] .

قال ابن كثير: (( وقوله:(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا، والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم )) [4] .

وروي عن ابن عباس أنه قال: (( حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحًا ) ) [5] .

وقال السعدي في تفسير الآية السابقة: (( أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما؛ لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما ) ) [6] .

وذكر ابن رجب أن سعيد بن المسيب قال لابنه: (( لأزيدن في صلاتي من أجلك؛ رجاء أن أُحفظ فيك ) ) [7] ثم تلا هذه الآية {وكان أبوهما صالحًا} .

ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: (( ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه ) ) [8] .

وقال أبو نعيم (ت430هـ) بأن ابن المنكدر (ت130هـ) قال: (( إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده، وولد ولده، والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وستر ) ) [9] .

وجاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كانت امرأة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت ثنتي عشرة عنزًا، وصيصيتها [10] كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصيصيتها، فقالت: يا رب، إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزًا من غنمي وصيصيتي، وإني أنشدك عنزي وصيصيتي) قال: وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر شدّة مناشدتها ربها تبارك وتعالى، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (فأصبحت عنزها ومثلها، وصيصيتها ومثلها) [11] .

ومن حفظ الله تعالى لعبده الحافظ لحدود الله أن يجعل الحيوانات المؤذية، حافظة له من الأذى، كما حدث لسفينة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث كسر به المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى أسدًا، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق، فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودعه، ثم رجع عنه [12] .

ومن ضيع حدود الله واتبع الشبهات أو غرق في الشهوات، ولم يحفظ الله، لم يحفظه الله، وكان عرضة لعقاب الله وسخطه، ودخل عليه الضرر والأذى، وربما أصابه ذلك ممن كان يرجو نفعه من أهله وماله، كما نقل عن الفضيل بن عياض (ت 187 هـ) أنه قال: (( إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي ) ) [13] .

المبحث الرابع

في قوله - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله تجده تجاهك)

وفي الرواية الأخرى: (احفظ الله تجده أمامك)

(1) انظر البداية والنهاية 12/ 85، وسير أعلام النبلاء 17/ 668 - 671، وجامع العلوم والحكم، ص 466.

(2) انظر جامع العلوم والحكم، ص 466.

(3) سورة الكهف، الآية 82.

(4) تفسير القرآن العظيم 3/ 97.

(5) انظر المصدر السابق، وذكر هذا الأثر ابن المبارك في الزهد (332) ، والطبري في جامع البيان في تفسير القرآن 16/ 7، والحاكم 2/ 369

(6) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 432.

(7) جامع العلوم والحكم، ص 467.

(8) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(9) الحلية 3/ 148، ورواه ابن المبارك في الزهد (330) ، والحميدي (373) ، وانظر جامع العلوم والحكم.

(10) الصيصية: هي الصنّارة التي يغزل بها وينسج. انظر لسان العرب 2/ 501، والنهاية في غريب الحديث والأثر ص533.

(11) رواه الإمام أحمد في المسند 5/ 67، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 277 وقال: رجاله رجال الصحيح.

(12) رواه الطبراني في الكبير (6432) ، وصححه الحاكم 3/ 606، وانظر الحلية 1/ 369.

(13) حلية الأولياء 8/ 109، وجامع العلوم والحكم ص 468.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت