تعالى عن نفسه: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98] وقال عن بني آدم: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء:85] .
-ومن العقل: ما هو معلوم البداهة من أن المعاني والأوصاف إنما تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فللذباب جسم وقوة، وللفيل جسم وقوة، وشتان ما بين الجسمين والقوتين! فإذا كان الاشتراك في الاسم والصفة في عالم المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى.
4 -الأصل إجراء نصوص الأسماء والصفات على ظاهرها بغير تحريف:
والمراد من ظاهر النصوص: هو ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحيط بها من القرائن. فليس الظاهر هو ما يتوهمه المؤولة من التمثيل والمعاني الفاسدة، فإن هذا -وإن كان غير مراد- لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة.
فقد اتفق السلف والأئمة على أن نصوص الصفات تجري علي ظاهرها اللائق بالله - عز وجل - من غير تحريف، وأن هذا الظاهر لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق. وبيان ذلك أن من صفات البشر ما هو معانٍ وأعراض قائمة بهم كالعلم والقدرة والإرادة، ومنها ما هو أعيان وأجسام كالوجه واليدين، ومن المعلوم أن الله قد وصف نفسه بالعلم والقدرة والإرادة، ولم يقل أحد: إن علمه وقدرته وإرادته كعلم البشر وقدرتهم وإرادتهم. كما وصف نفسه بأن له وجهًا ويدَيْن، ولم يقل أحد من السلف أو الأئمة كذلك: إن وجهه تعالى ويديه كوجوه البشر وأيديهم؛ بل كما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات.
ومن قال من المؤولة: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ في تحديد المراد بهذا الظاهر! لأنه يكون قد فسر اللفظ بمعنى فاسد لا يدل عليه، أو أخطأ في رد معنى ظاهر صحيح توهم أنه فاسد بناء على فهم مغلوط لديه.
-فمن زعم أن ظاهر قوله تعالى عن سفينة نوح: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر:14] أنها تجري في عين الله، فقد أبعد النجعة لأن هذا ليس بظاهر، ولا هو المتبادر من اللفظ فيما يفهمه عقلاء الناس بل وسفهاؤهم عند سماع هذه الآية! بل يفهم الناس جميعًا أن السفينة تجري وأن الله يكلؤها بعينه.
-ومن زعم أن ظاهر قوله تعالى في الحديث القدسي:"ابن آدم مرضت ولم تزرني .." [1] إلخ أن الله عز وجل يمرض ويجوع ويعطش، قيل له: ليس هذا هو المعنى المتبادر الظاهر من جملة الحديث؛ لأن بقية الحديث ترد هذا الظاهر المزعوم، وتبين أن الذي مرض وجاع وعطش إنما هو العبد وليس الله رب العالمين! وذلك في قوله تعالى في الحديث نفسه، مبينًا لمعني هذه العبارة:"أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده ..."إلخ.
وقد يرد المؤولة معنى صحيحًا يتوهمون فساده، كما ردوا حقيقة الاستواء بدعوى أنه يستلزم أن يكون الله محدودًا وهو محال، وقد أُتُوا من جهة توهم هذا اللازم الفاسد؛ لأن استواء الله على عرشه لا يقتضي أن يكون الله محدودًا -وإن كان العرش محدودًا- لأنه علو يليق بجلال الله وعظمته ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق.
ثالثًا: الفرق بين أسماء الله وصفاته:
أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به تعالى مثل العليم الحكيم السميع البصير، فإن هذه الأسماء دلت على ذات الله وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر.
أما الصفات فهي نعوت الكمال القائمة بالذات كالعلم والحكمة والسمع والبصر، فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت علي أمر واحد؛ ولهذا يقال: الاسم متضمن للصفة والصفة مستلزمة للاسم في الأعم الأغلب، ويجب الإيمان بكل ما ثبت منهما عن الله تعالى أو عن النبي صلى الله عليه وسلم علي الوجه اللائق به سبحانه، مع الإيمان بأنه تعالى لا يشبه أحدًا من خلقه في شيء من صفاته كما أنه سبحانه لا يشبههم في ذاته كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] .
رابعًا: الزائغون عن الحق في باب الأسماء والصفات:
أ- الممثلة:
غلَوْا في جانب الإثبات وقصَّروا في جانب النفي، فأثبتوا صفات الله على نحو يماثل صفات المخلوقين، فأثبتوا لله وجهًا ويدًا وعينًا كوجه الإنسان ويده وعينه.
وشبهتهم على ذلك قياس الغائب علي الشاهد، يقولون: إن القرآن خاطبنا بما نفهم ونعقل ونحن لا نفهم ولا نعقل إلا ما كان شاهدًا، فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله علي الشاهد.
ومذهبهم باطل ومنكر يرده النقل والعقل.
-فمن النقل: أن الله عز وجل قد نفي أن يكون له مماثل، في مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري:11] وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] ونهي أن تضرب له الأمثال، في مثل قوله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل:74] .
-ومن العقل: أن التباين بين الخالق والمخلوق في الذات يستلزم التباين في الصفات، فالمعاني والصفات تتميز وتتقيد بحسب ما تضاف إليه، وأن القول بالمماثلة يقتضي النقص وهو محال وضلال.
(1) أخرجه مسلم (2569) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.