وأما قياسهم الغائب على الشاهد فهو باطل من وجهين:
-أن ما أخبر الله به عن نفسه أخبر به مضافًا إلى ذاته المقدسة، فيكون علي وجه يليق بذاته المقدسة لا مماثلًا لمخلوقاته.
-أن المماثلة تستلزم نقص الخالق، واعتقاد ذلك كفر وضلال.
ب- المعطلة:
غلَوْا في جانب النفي وقصَّروا في جانب الإثبات، فأنكروا أسماء الله وصفاته إنكارًا كليًّا أو جزئيًّا، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، وهم طوائف منهم: الأشاعرة والمعتزلة والجهمية والقرامطة والفلاسفة، علي تفاوت ما بينهم في التعطيل والتحريف.
وأظهر هذه الطوائف في واقعنا هم الأشاعرة، وإن كانوا أقرب هذه الطوائف إلى الحق. وطريقتهم في ذلك أنهم أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها الآخر، وردوا لذلك من النصوص ما أمكنهم رده، وأولوا ما أعجزهم رده، فأثبتوا صفات الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، علي خلاف بينهم وبين السلف في كيفية إثباتها لأن العقل قد دل عليها، ونفوا كثيرًا من الصفات بدعوى أن إثباتها يستلزم التشبيه.
ومما يرد عليهم فيما ذهبوا إليه ما يلي:
-أن منهج السلف الصالح في هذا الباب هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وليس إلى العقل، قال أحمد رحمه الله: نَصِفُ الله بما وصف به نفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث.
-أن الرجوع إلى العقل في هذا الباب مخالف للعقل؛ لأنه من الأمور الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال، فإن العقل لا يمكنه أن يدرك بالتفصيل ما يجب وما يجوز ومايستحيل في حق الله عز وجل، وإنما مرد ذلك إلى النقل.
-أن تحكيم العقل في ذلك يستلزم الاختلاف والتناقض، فإن العقول متفاوتة، ... وما يثبته هذا قد ينفيه ذاك، ولا يخفي أن تناقض الأقوال دليل علي فسادها، ورحم الله مالك بن أنس حيث قال:"أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء؟!".
-أنه يلزمهم في المعنى الذي صرفوا إليه نصوص الصفات ما يلزمهم في المعنى الذي نفوه مع وقوعهم في التحريف، فإن نفوا حقيقة اليد حتى لا يقعوا في التشبيه وتأولوها بالقوة، فإنه يلزمهم في إثبات القوة نظير ما يلزمهم في إثبات اليد الحقيقية؛ لأن للمخلوق قوة كذلك فإثبات القوة لله يستلزم التشبيه بناء على هذا القاعدة! فإن قالوا: إننا نثبت القوة على وجه يليق بذاته تعالى لا على وجه الماثلة للمخلوقين. قيل لهم: وكذلك اليد ولا فرق!
-أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فمن أثبت لله شيئًا مما أثبته الله لنفسه من الصفات لزمه إثبات الباقي، أو الوقوع في التناقض لا محالة!
فمن أثبت حقيقة الإرادة ونفى حقيقة المحبة، قيل له: لا فرق بين ما أثبته من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة المحبة، فإن كان إثبات حقيقة المحبة يستلزم التمثيل فكذلك إثبات حقيقة الإرادة، وإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا يستلزم التمثيل فكذلك إثبات حقيقة المحبة، فلزمك إثبات الجميع أو نفي الجميع أو التناقض! فإن قال: أثبت إرادة تليق بجلال الله لا على وجه المماثلة للمخلوقين، قيل لهم: وكذلك في المحبة.
-أن القول في الذات كالقول في الصفات، فكما أثبتنا لله ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين لزم أن نثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين. وهذا يتضمن الرد على الزائغين جميعًا سواء كانوا من المعطلة أو من الممثلة.