[الطارق:15، 16] وقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ 14} اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:14، 15] ، ولهذا لم يذكر الله تعالى أنه خان من خانوه؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذم مطلقًا، قال تعالى: {وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:71] فقال {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} ولم يقل فخانهم.
2 -أقسام صفاته تعالى:
صفات الله تعالى قسمان:
-ثبوتية: ويراد بها كل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كالحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والاستواء على العرش ونحوه. والغالب فيها التفصيل؛ لأن ذلك يظهر من كمال الموصوف بها ما لم يكن معلومًا من قبل.
-منفية: ويراد بها كل ما نفاه الله عن نفسه في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كالموت والجهل والظلم والعجز وغير ذلك من صفات النقص التي لا تليق بذاته تعالى، والغالب فيها هو الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في التنزيه.
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه.
3 -باب الصفات أوسع من باب الأسماء:
وذلك لأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان:27] .
4 -لا يصح اشتقاق أسماء لله تعالى من الأوصاف:
فمن صفاته تعالى الأخذ والإمساك والبطش كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] ، وكما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا} [فاطر:41] ، وكما قال تعالى: {بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج:12] ، ولا يصح أن نشتق له منها أسماء فنقول إن من أسمائه الآخذ والممسك والباطش!!
? ثالثًا: قواعد في أسماء الله وصفاته جميعًا:
1 -الجمع بين النفي والإثبات هو حقيقة التوحيد في باب الأسماء والصفات:
وذلك لأن الاقتصار علي النفي المحض تعطيل محض، والاقتصار علي الإثبات المحض لا يمنع المشاركة، فلو قلت:"ليس محمد بعالم"فقد نفيت عنه صفة العلم وعطلته منها وإن قلت:"محمد عالم"فإنك وإن أثبت له صفة العلم إلا أن هذا لا يمنع مشاركة غيره له في ذلك، بخلاف ما لو قلت:"لا عالم إلا محمد"فقد أثبت له صفة العلم ونفيتها عن غيره، فتكون موحدًا له في هذه الصفة.
2 -إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل:
إن جماع القول في باب الأسماء والصفات أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وما وصفته به رسله، إثباتًا بلا تمثيل ولا تكييف، وتنزيهًا بلا تعطيل. وقد جمع الله ذلك في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري:11] .
والتمثيل هو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين، والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثرها، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
وأما التكييف فهو أن يعتقد المثبت أن صفات الله على نحو كذا وكذا من غير أن يقيدها بمماثل. وكل من التكييف والتمثيل باطل بلا نزاع.
ولهذه القاعدة دليلان:
-الدليل النقلي: فمثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري:11] ففي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رد للتكييف والتمثيل. وفي قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} رد للإلحاد والتعطيل. وقوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} [الأعراف:180] .
-الدليل العقلي: فلأن القول في أسماء الله وصفاته من باب الخبر المحض الذي لا يمكن للعقل إدراك تفاصيله، فوجب الوقوف فيه علي ما جاء به السمع، ولهذا لما سئل مالك رحمه الله عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] كيف استوى؟ أطرق رحمه الله حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
3 -الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات:
ولهذه القاعدة أدلة نقلية وعقلية:
-فمن النقل: نجد أن الله تعالى قد أثبت لنفسه السمع والبصر، في مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58] ، وأثبت للإنسان السمع والبصر في مثل قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:2] ونفي أن يكون سمعه وبصره كسمع الإنسان وبصره، فقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري:11] .
وفي باب العلم نجد أن الله قد أثبت لنفسه العلم، في مثل قوله تعالى: {عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} [البقرة:235] وأثبت لعباده العلم في مثل قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة:10] وليس علم الإنسان كعلم الله - عز وجل -، فقد قال