فإذا قيل: هذا الموجود ، وهذا الموجود مشتركان في مسمى الوجود ، كان ما اشتركا فيه لا يوجد مشتركًا إلا في الذهن لا في الخارج ، وكل موجود فهو يختص بنفسه وصفات نفسه ، لا يشركه غيره في شيء من ذلك في الخارج ، وإنما الاشتراك هو نوع من التشابه والاتفاق ، والمشترك فيه الكلي لا يوجد كذلك إلا في الذهن ، فإذا وجد في الخارج لم يوجد إلا متميزًا عن نظيره ، لا يكون هو إياه ، ولا هما في الخارج ، مشتركان في شيء في الخارج .
-إلى أن قال - فمن فهم هذا انحلّت عنه إشكالات كثيرة يعثر فيها كثير من الأذكياء الناظرين في العلوم الكلية والمعارف الإلهية . (1) ""
وقال في موضع آخر:-
"وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته من بعض الوجوه ، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع ، وإذا قيل هذا حيّ عليم قدير ، وهذا حيّ عليم قدير فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير ، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى فيما يجب ويجوز ويمتنع ."
بل هنا ثلاثة أشياء:
أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه ، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما .
الثاني: ما يختص به الرب من الحياة والعلم والقدرة .
الثالث: ما يختص به العبد من الحياة والعلم والقدرة ، فما اختص به الرب عز وجل لا يشركه فيه العبد ، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد ، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الربّ ، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص به الرب عز وحل . (2) ""
وبهذه النقول ندرك أهمية هذا الأصل ، وما يحققه من فهم سديد في باب الصفات ، فلولا القدر المشترك لما فُهِم الخطاب ، لكن هذا القدر المشترك أو الاسم الكلي في الأذهان ، وأما القدر المميّز فهو خارج الذهن ، فما يختص ويتميّز به الخالق سبحانه فلا يشركه فيه مخلوق .
(1) . منهاج السنة 2/30 ، 31 = باختصار
(2) . الجواب الصحيح 2/232 ، وانظر: الجواب الصحيح 3/149