الصفحة 9 من 120

جَاءَتْ وَرَدُّوا عِلْمَهَا إلَى قَائِلِهَا؛ وَمَعْنَاهَا إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِهَا) فانظر كيف جعل المراد بالآية الصحابة رضوان الله عليهم، وقال رحمه الله تعالى (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَكُلُّ مَنْ شَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلُّ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ شَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى. فَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُخْطِئٌ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ وَهُوَ مُخْطِئٌ. وَهَذِهِ"الْآيَةُ"تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الْمُؤْمِنِينَ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَأَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ الرَّسُولِ؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ وَبِانْتِفَاءِ الْمُنَازِعِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّهَا مِمَّا بَيَّنَ اللَّهُ فِيهِ الْهُدَى) ومن المعلوم لدى أهل العلم أن جمهور مسائل الاعتقاد مما هو متفق عليه بين أهل السنة رحمهم الله تعالى، وقد استدل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى بهذه الآية على وجوب اتباع سبيل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد استدل الجمع الكثير الغفير من أهل السنة رحمهم الله تعالى على بطلان كثير من المعتقدات والأقوال والأعمال بأنها مخالفة لسبيل المؤمنين والذين هم الصحابة في المقام الأول، والتابعون وتابعوهم بإحسان، مما يفيد أن أهل العلم متفقون إن شاء الله تعالى على أن الآية يراد بها السلف الأوائل, وأزيد الأمر إيضاحا فأقول:- لقد تقرر في الأصول أن ذم الفعل يستفاد منه التحريم، وتقرر أن الوعيد على الفعل يستفاد منه التحريم، فلما توعد الله تعالى مخالف سبيل المؤمنين بالنار، أفاد ذلك أن متابعة سبيلهم من الواجبات المتحتمات لأن المتقرر أن النهي عن الشيء أمر بضده من جهة المعنى، والنهي عن مخالفة سبيلهم يتضمن الأمر باتباع سبيلهم، واتباعهم يكون باعتماد ما اعتمدوه وأجمعوا عليه من القول والعمل، ومن المعلوم أن الأقوال والأعمال إنما تصدر عن فهم، ومتابعتهم في أقوالهم واعتقاداتهم يتضمن متابعتهم في فهمهم، لأن من خالفهم في الفهم فلزاما أن يخالفهم في القول والعمل، وهذا واضح، فإنه ما خولف السلف في شيء إلا ممن خالفهم أصلا في الفهم، فالبدع التي نراها والمعتقدات التي انتحلها أهل البدع إنما هي أثر من آثار مخالفة السلف في الفهم، فصار الاتفاق في الفهم سبيلا للاتفاق في القول والعمل.

ومن الأدلة أيضا:- قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... الآية} وهذا المدح يتضمن صحة ما كانوا عليه من العقيدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت