والعمل، وهذه الصحة مستمدة من صحة التأصيل والفهم، فمن أراد أن يكون له حظ من هذا المدح والثناء فليتفق معهم في فهمهم المفضي إلى صحة الاعتقاد والعمل، ودل ذلك على أن من خالفهم فإنه الممقوت الضال المغضوب عليه، والمخالفة في العمل فرع عن المخالفة في الفهم، فدل ذلك على صحة فهمهم الذي أثمر لهم صحة الاعتقاد والعمل، وحيث كان فهمهم هو الفهم الصحيح، فهو الفهم الذي يجب حينئذ اتباعه، لأن خلاف الحق باطل، كما قال تعالى {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} ففهمهم هو الحق، وما عداه هو الضلال، والضلال لا يجوز اتباعه، فأفاد ذلك أن فهمهم حجة على من بعدهم في مسائل العقيدة والعمل، وهو المطلوب.
ومن الأدلة أيضا:- قوله تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} وهذه الخيرية دليل على صحة ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقيدة والعمل، وهي نابعة من سلامة الفهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والآية خطاب للصحابة في المقام الأول، فهم سلف الأمة، فحيث كانوا هم خير أمة أخرجت للناس فهذا تنبيه على وجوب الأخذ بما كانوا عليه من الفهم والتأصيل المثمر لسلامة العقيدة وصحة العمل.
ومن الأدلة:- قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... الآية} والوسط هم الخيار العدول والخطاب للصحابة في أول التنزيل، وهذا تنبيه لمن يأتي بعدهم أنه لا خيرية له ولا عدالة إلا في اقتفاء آثارهم والسير على منهاجهم واعتماد ما اعتمدوه من العقيدة والعمل، فالخيرية والعدالة إنما تكون بحسب ما في العبد من الاتباع لهم، فأكملنا اتباعا أكملنا خيرية وعدالة، فالخيرية والعدالة مربوطة باتباع سلف الأمة من الصحابة ومن سار على منهاجهم من التابعين وتابعيهم.
ومن الأدلة:- الآيات التي فيها مدح لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه، كقوله تعالى {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ... الآية} وكقوله تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} وكقوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ونحو هذه الآيات التي فيها تسطير الرضا وأنهم كانوا على الهدى، وفيها أعظم المدح والثناء، وهذا كله تنبيه للأمة على صحة