دانت له الأمم، وانطوت صفحة الشرك، وخابت مساعي أهل الضلال والنفاق، واستقر الحق، وزهق الباطل، وارتفعت راية الحق، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فكان هو صلى الله عليه وسلم من فتح الله به القلوب بعد انغلاقها على الكفر ونور به البصائر بعد عشعشة الظلام فيها، فصحح السير إلى الله تعالى، وربى أصحابه على العقيدة السليمة من الشبهات، والعمل السليم من الشهوات، فلا شبهة ولا شهوة، ونهل أصحابه رضي الله عنهم من معينه الصافي، ومودره العذب الشافي الكافي، وما مات إلا بعد أن بلغ البلاغ المبين وأتم الله تعالى به النعمة والدين، فلما تم أمر الله تعالى، وأظهر دينه على الدين كله، وافته المنية ومات الميتة التي كتبها الله تعالى عليه، ولكن دينه لم يمت، وتعليمه والعقيدة التي جاء بها لا تزال نورا ساطعا في السماء والأرض، وحمل الراية من بعده أصحابه رضوان الله عليهم، فتفرقوا في البلاد دعاة ومعلمين وأئمة، ينهل الناس من علمهم، ويهدي الله تعالى القلوب بهم، فكانوا شامة في جبين الدهر، ونقطة بيضاء في تاريخ الأمة، ما قصروا في التعليم ولا في التفقيه ولا التفهيم ونقلوا الدين كله أصوله وفروعه، بأدلته الناصعة، وحججه القاطعة، وعقائده الساطعة، ثم نهل من معينهم قوم أراد الله تعالى بهم خيرا، وجعلهم نور الدجى وأعلام الهدى، وهم التابعون رحمهم الله تعالى، ولم يزل العلم ميراثا يتوارثه الآخر عن الأول، والتابع عن من فوقه، حتى نبغت في الأمة نابغة، تنكبت عن الصراط المستقيم، وخالفت المنهج القويم، واطرحت علوم سلفها وتطلعت إلى علوم أقوام من الشرق والغرب، فأعجبت بقواعدها المخالفة للمنقول، وعلومها المناقضة للمعقول، فترجمت كتبها، ودعوا الأمة إلى الإقبال عليها، ودراستها وتدريسها، حتى اختلط الحق بالباطل، وكدر صفو المشرب، واعتمدت أصول غريبة عن أصول سلف الأمة وتشربتها القلوب حتى صار يوصف بالتخلف والرجعية من كان ملتزما بمنهج السلف وداع إليه وفضلت العلوم المنطقية الفلسفية على علوم الكتاب والسنة، فخفي نور الحق، وحلت الفتن بالأمة وزلزلت زلزالا شديدا، ونودي على الأمة بالهلاك، إلا أن الله تعالى لم يكن ليدع أمة حبيبه ومصطفاه تهلك كما هلكت الأمم قبلها، فوعد بموعوده الحق أن لا تزال طائفة من الأمة على الحق منصورة لا يضرها من خذلها ولا من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، فقامت هذه الطائفة القليلة بدور التصحيح والتجديد، واهتمت برد الأمة إلى أصولها الصحيحة، ودعت إلى تصحيح السير إلى الله تعالى بتصحيح الاعتقاد والعمل، فأصلت الأصول، وقعدت القواعد التي تكفل لمن دان بها واعتقد مدلولها أن يكون من أهل