فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 237

يقول بعض الحكماء: إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير الذي هو بدن الإنسان، ولذلك قال تعالى {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} الطارق 5، فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة، والسمع والبصر في حواسه بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات، وأعضاؤه تصير إلى البلى ترابًا من جنس الأرض، وفيه جنس الماء العرق وسائر البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنفس، ومن جنس النار فيه الصفراء، وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض، وكبده بمنزلة العيون التي تستخدمها الأنهار، لأن العروق تستمد من القلب، ومثانته بمنزلة البحر لانصباب مافي أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر، وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض، وأعضاؤه كالأشجار، كما أن لكل شجرة ورقًا أو ثمر، فكذلك لكل عضو فعل أو أثر، والشعر على البدن بمنزلة النبات على الأرض، ثم إن الإنسان يحاكى بلسانه صوت كل حيوان، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان، فهو العالم الصغير مع العالم الكبير، مخلوق محدث لصانع واحد لا إله إلا هو.

وإذا تأمل الإنسان في العناصر التي يتكون منها بدنه، لوجدها نفس العناصر التي تتكون منها تربة الأرض فمنشؤه من الأرض، وهو إلى هذه الأرض سيعود، ومابينهما يعيش مختال، عاص، معرض، فخور، أوما تدبرت منشأك ومعادك أيها المغرور؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت