[8] وهناك القبس العجيب من الله: هناك الروح الإنساني الخالص الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود، وجمال خالق الوجود، ويمنحه تلك اللحظات الوضيئة من الاتصال المطلق الذي ليس له حدود، بعد الاتصال بومضات الجمال في الوجود، هذه الروح التي لا يعرف الإنسان كنهها، والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض، ويصله بالملأ الأعلى ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود والنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد، هذه الروح هي هبة الله الكبرى لهذا الإنسان وهو الذي يخاطبه المولى باسمه (ياأيها الإنسان) ويعاتبه ذلك العتاب المخجل (ماغرّك بربك الكريم) ياأيها الإنسان الذي تكرّم عليك ربك راعيك ومربيك، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة، ياأيها الإنسان ما الذي غرك بربك الكريم فجعلك تقصر في حقه وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه وهو ربك الكريم الذي أغدق عليك من فضله وبره وكرمه، ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تُميزك عن سائر خلقه، والتي تميزك بهذا تعقل وتدرك ما ينبغي ومالا ينبغي من جانبه ويناديك ربك فتقف أمامه مقصرًا مذنبًا مغترًا غير مقدّر لجلال الله ولا متأدب في جانبه، ثم يواجهك بالتذكير بالنعمة الكبرى، ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور.