الصفحة 35 من 42

والأشاعرة خالفوا ذلك من أصله، حيث سووا بين المعجزة والسحر، بالنظر إلى حقيقة كل منهما, فألجأهم ذلك إلى أن ينظروا في قيود تميز المعجزة عن السحر، فكان مما شرطوه فيها أن تسلم المعجزة من المعارضة، لأنها إذا لم تسلم لم تبق للمعجزة دلالة, وأسندوا ذلك إلى دلائل خارجة عن حقيقة المعجزة وحقيقة السحر.

ومن لم يسو بين المعجزة والسحر, وجعل الفرق بينهما معلوما، وراجعا إليهما لذاتهما, لم يحتج إلى كل هذه القيود والشروط ولا إلى شيء منها، وكما يقول الإمام ابن تيمية فإن « آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم، ليست مما تكون لغيرهم, فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء » (1) .

وإذا علم أن آيات الأنبياء مختصة بهم, وأنه لا أحد يمكنه أن يأتي بمثلها، سواء كان مدعيا للنبوة أم غير مدع لها, علم أن سلامة آيات الأنبياء من المعارضة يرجع إلى هذا, وأنه لا يقدح في ذلك ما قد يقع من المعارضات التي يعلم العقلاء أنها من جنس غير جنس آيات الأنبياء, فلا تقع بها الشبهة على آيات الأنبياء وإن وجدت .

يبين هذا أنه قد حصلت معارضات كثيرة لنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأتى بعضهم بما هو عند هؤلاء الأشاعرة من الخوارق, ولم يسلبوا القدرة على فعل السحر,ولم يعارضهم أحد من جنس فعلهم ليبطل دعواهم على أصل هؤلاء, لكن علم بطلان دعواهم من طرق أخرى غير الطريق الذي سلكه الأشاعرة لتثبيت دلالة المعجزة على النبوة, منها ما يرجع إلى حقيقة المعجزة، وأنها مما لا يمكن لغير الأنبياء أن يأتوا به, ومنها ما يرجع إلى كون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم الأنبياء، فلا يكون بعده نبي, ومنها ما يرجع إلى حال أولئك المفترين وأن مسلكهم وطريقتهم غير مسلك الأنبياء وطريقهم، ونحو ذلك مما لا يحتاج معه إلى الجزم بأمر قد خالفه الواقع .

(1) ... النبوات. لابن تيمية: (1/508) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت