الصفحة 34 من 42

وفي نفس المعنى يقول إمام الحرمين الجويني: « لا تظهر المعجزة على يدي الكاذب, لأنها لو ظهرت لدلت على صدقه، وتصديق الكاذب مستحيل في قضيات العقول، فإن قيل: هل تجوزون في المقدور وقوع المعجزة على حسب دعوى الكاذب، أم تقولون ليس ذلك من المقدور؟ قلنا: ما نرتضيه في ذلك أن المعجزة يستحيل وقوعها على حسب دعوى الكاذب لأنها تتضمن تصديقا، والمستحيل خارج عن قبيل المقدورات, ووجوب اختصاص المعجزة بدعوى الصادق كوجوب اقتران الألم بالعلم به في بعض الأحوال، وجنس المعجزة يقع من غير دعوى، وإنما الممتنع وقوعه على حسب دعوى الكاذب » (1) .

ومذهب الباقلاني في ذلك كما يلخصه التفتازاني « أن ظهور المعجزة على يد الكاذب لأي غرض فرض وإن جاز عقلا, بناء على شمول قدرة الله فهو ممتنع عادة معلوم الانتفاء قطعا » (2) .

والحاصل أن ظهور المعجزة على يد الكاذب ممتنع عند الأشاعرة, سواء قيل إن ذلك يستند إلى أن ظهورها على يديه يقتضي تعجيز الله تعالى عن إقامة الدليل على النبوة, أو قيل بأن امتناع ذلك يرجع إلى كونه محالا لذاته, أو قيل بالامتناع العادي.

والحقيقة أنه وإن كانت سلامة المعجزة من المعارض هي مقتضى كونها معجزة, بحيث لا يمكن تصور أن تكون المعجزة آية للنبي مع تصور إمكان معارضتها, إلا أن ما ذكره الأشاعرة من ذلك لا وجه له، بل هو أقرب إلى أن يكون قدحا في دلالة المعجزة، لا في إثبات دلالتها، وذلك أن دلالة المعجزة على النبوة متوقفة على كونها خارقة للسنن الكونية، وما هو مقدور للثقلين، وهذا أمر يعود إلى حقيقة المعجزة، وما تمتاز به، لا إلى أمور خارجة عنها.

(1) ... الإرشاد. للجويني: ص (275- 276) .

(2) ... شرح المقاصد. للتفتازاني: (5/18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت