الصفحة 26 من 42

ولا شك أن في هذا القول القدح في آيات الأنبياء، لأن آيات الأنبياء لابد أن تكون متميزة عن غيرها، فإن الله تعالى إذا أرسل الرسل وجعل لهم الآيات والبراهين على نبوتهم فلابد أن تكون تلك الآيات مختصة بهم، دالة على نبوتهم, بحيث لا يمكن أن تكون دليلا لغيرهم، وأن يكون ذلك راجعا إلى نفس تلك الآيات والمعجزات، لا إلى شروط خارجة عنها.

وفي تقرير هذه الحقيقة يقول الإمام ابن تيمية: « إن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة وبرهان عليها, فلابد أن يكون مختصا بها, لا يكون مشتركا بين الأنبياء وغيرهم, فإن الدليل هو مستلزم لمدلوله, لا يجب أن يكون أعم وجودا منه، بل إما أن يكون مساويا له في العموم والخصوص، أو يكون أخص منه, وحينئذ فآية النبي لا تكون لغير الأنبياء » (1) .

ولازم هذا أن تكون آيات الأنبياء غير معتادة لغيرهم، بل تكون خاصة بهم, لأن ما يؤيد الله به رسله من المعجزات خارج عن السنن الكونية ومقدور الثقلين، والسحر والكهانة لا تخرج عن كونها مقدورة لهم، لأنها لا تخرج عن السنن الكونية، فلا يمكن أن يكون المقدور عليه من جنس غير المقدور عليه.

وقد أفاض الإمام ابن تيمية في نقد هذه الدعوى وبيّن أن « آيات الأنبياء هي خارقة لغير الأنبياء، وإن كانت معتادة للأنبياء » (2) ، وأن « آيات الأنبياء خارجة عن مقدور من أرسل الأنبياء إليه، وهم الجن والإنس، فلا تقدر الإنس والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء » (3) وأنه « لابد في آيات الأنبياء أن تكون مع كونها خارقة للعادة أمرا غير معتاد لغير الأنبياء, بحيث لا يقدر عليه إلا الله الذي أرسل الأنبياء, ليس مما يقدر عليه غير الأنبياء، لا بحيلة ولا عزيمة، ولا استعانة بشياطين، ولا غير ذلك.

(1) ... النبوات. لابن تيمية: (1/163) .

(2) ... المرجع السابق: (1/502) .

(3) ... المرجع السابق، ونفس الجزء والصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت