والوجه الآخر: أن أبواب السحر معلومة عند السحرة، وعند أهل بابل، وهي أمور معروفة، فإذا تحدى ساحر من السحرة بشيء يفعل عند سحره، ويقع من مقدورات الله عز وجل من جنس بعض آيات الرسل وتحدى به, لم يلبث أن يوجد خلق من السحرة يفعلون مثل فعله, ويعارضونه بأدق وأبلغ مما أورده، فينتقض بذلك ما ادعاه ويبطل » (1) .
ثم ينتقل إلى بيان ما يلزم إذا جاء النبي بالمعجزة، وأنها لا يمكن أن تعارض، كما يحصل لما يأتي به الساحر من الخوارق، بل كل من أراد معارضة النبي من السحرة فلابد أن يبطل الله معارضتهم، إما بأن ينسيهم السحر ويصرفهم عنه، وإما بأن يقدر ألا يكون ما أرادوه من السحر، وفي ذلك يقول: « والرسول - عليه السلام - إذا ظهر عليه مثل ذلك وادعاه آية له, قال لهم: هذه آيتي وحجتي, ودليل ذلك أنكم لا تقدرون على مثله, ولا يفعله الله سبحانه في وقتي هذا، ومع تحدي ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر وفعل كاهن... فإذا ظهر ذلك عليه، وامتنع ظهور مثله على يد ساحر أو كاهن, مع أنه قد كان يظهر ذلك من قبل, صار ذلك خرقا لعادة البشر، وعادة الكهنة والسحرة خاصة....
والمنع لهم عند هذا التحدي من النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون من الله سبحانه بوجهين:
أحدهما: أنه ينسيهم السحر والكهانة, ويذهب بحفظ ذلك وعلمه من قلوبهم, وذلك آية عظيمة وخرق للعادة، لأنه ليس في العادة إنساءهم ذلك وصرفهم عنه.
(1) ... البيان. للباقلاني: ص (94- 95) .