وفي نفس المعنى يقول الشهرستاني: « المعتبر في كون الآية حجة أن يكون ذلك نقضا لعادة من كانت الآية حجة عليه، والعادة عادة له » (1) ، وعلى هذا يكون معنى العادة راجعا إلى مجرد ما اعتاده الناس، وهذا أمر يتعلق بهم وإلى تعودهم لتلك العادة وإن أمكن أن تتبدل، وفي هذا المعنى يقول شارح جوهرة التوحيد: « العادة ما درج عليه الناس واستمروا عليه مرة بعد أخرى » (2) .
وعلى هذا فيلزم الأشاعرة عدم إمكان تمييز المعجزة، من جهة كونها خارقة للعادة، لأن ما يرجع إلى الناس وما يكون خارقا لتلك العادة لا يمكن تحديده، فيدخل في عموم الخوارق ما هو من قبيل أعمال السحرة، إذ هو غير معتاد عند كثير من الناس، فيلزم من هذا ألا يوجد فرق حقيقي بين آيات الأنبياء وما يأتي به السحرة من العجائب.
وإذا لم يكن خرق العادة لذاته مميزًا بين المعجزة والسحر لزمت التسوية بين المعجزة والسحر، وأن لا يوجد بينهما فرق يعود إلى حقيقة كل منهما، فيلزم أن يكون الفارق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب غير مجرد خرق العادة، لإمكان اشتراكهما فيها.
ومع شناعة هذا اللازم فقد التزم به الأشاعرة, ثم نظروا في أمور خارجة عن حقيقة الخارق تكون فارقة بين النبي ومدعي النبوة، حيث لم يمكنهم أن يكون الفارق راجعا إلى حقيقة الخارق، فلا بدّ من شروط تتميز بها المعجزة، وتتلخص شروطهم في أمرين:
أولهما: أن المعجزة من النبي لا بدّ أن تكون مقرونة بدعوى النبوة، بخلاف الساحر فإنه لا يمكنه ذلك.
وثانيهما: استحالة معارضة معجزة النبي؛ بخلاف ما يأتي به الساحر، فإنه لا بد أن يعارض.
(1) ... نهاية الأقدام في علم الكلام. للشهرستاني: ص (439) .
(2) ... شرح جوهرة التوحيد. للباجوري: ص (398) .