والأشاعرة لا يمكنهم أن يثبتوا خرق العادة بهذا المعنى، لأنهم إذا أنكروا السببية والسنة الجارية التي هي العادة, فلا يمكنهم أن يقولوا في الخارق إنه خارق لتلك السنة، مع إنكارهم لها.
وإذا لم يكن الخارق للعادة خارقا لحقيقة ثابتة مطردة، وهي السنة الجارية في المخلوقات، بحيث يتميز ويعرف من جهة خرقه لتلك العادة، لم يمكن تمييز الخارق من غيره، بل يكون ذلك الوصف عائدا إلى مجرد ما يعتاده الناس في أزمان وأحوال خاصة، لا إلى أصل مطلق وحقيقة ثابتة، وحينئذ يكون الخارق للعادة وصفا نسبيا إضافيًا يمكن اختلاف الناس فيه، فيكون الخارق في زمن وعند بعض الناس غير خارق في زمن آخر وعند أناس آخرين.
وهذا المعنى هو الذي عناه الأشاعرة بوصف الخارق للعادة، حيث ذكروا أن المقصود بالعادة ما اعتاده الناس, وأنه لا يشترط له أن يكون مطلقًا عامًا، بل هو نسبي إضافي، وإذا كان هذا المعنى الثاني لازما للأشاعرة، بناء على إنكارهم للسببية فقد اعتمدوه والتزموا بلوازمه.
وقد ذكر الآمدي ما قد يعترض به من الشبهة على معنى الخارق عندهم، وأنه يلزمهم أن ما أتى به النبي « إنما يدل على صدقه لو كان مما لم تطرد به العادة في بعض أقطار الأرض, أو فيما تقدم من الأعصار، وإن لم يكن معتادا في ذلك الوقت، ولا في ذلك القطر » (1) .
وفي جوابه عن هذه الشبهة يقول معترفا بنسبية الخارق عندهم: « لا يمنع أن يكون ما أتى به الرسول خارقا للعادة بالنسبة إلى عصره وبالنسبة إلى قطره مع الذي تحدى له عليهم، فإن طرد العادة بشيء بالنسبة إلى بعض المخلوقات لا يمتنع من كونه خارقا للعادة بالنسبة إلى بعض آخر » (2) .
(1) ... أبكار الأفكار. للآمدي: (4/41) .
(2) ... نفس المصدر: (4/57) .