ومن جملة تعريفاتهم لها قول الباقلاني: « هي أفعال الله تعالى الخارقة للعادة المطابقة لدعوى الأنبياء وتحديهم الأمم بالإتيان بمثل ذلك » (1) ، وفي نفس المعنى يقول الجويني: « هي أفعال الله تعالى، الخارقة للعادة المستمرة الظاهرة، على حسب دعوى النبوة » (2) ، وجاء في شرح المقاصد للتفتازاني في تعريف المعجزة أنها: « أمر خارق للعادة، مقرون التحدي، وعدم المعارضة… » (3) .
والمقصود هنا بيان ما يقصدونه بلفظ العادة في تعريفهم للمعجزة, وصلة ذلك بما تقدم بيانه في موقفهم من السببية, ثم بيان الأصول التي يقوم عليها منهج الأشاعرة في تقرير دلالة المعجزة على النبوة, لتفهم بذلك الشروط التي يذكرونها في تعريفهم للمعجزة, ويتبين بالنقد والدراسة ما يصح منها وما لا يصح.
فأما لفظ العادة فالأصل فيه إذا أطلق أن يراد به السنة المعتادة المنتظمة للمخلوقات، وفق تدبير الله تعالى، وكل مخلوق فلله في خلقه وتدبيره سنة جارية قدرها له, وفق ضوابط ثابتة محددة لا يتجاوزها.
وفي بيان هذا المعنى ووجه الدلالة فيه يقول الإمام ابن تيمية: « وأما الاستدلال بسنته وعادته فهو أيضا طريق برهاني ظاهر لجميع الخلق,...فإنه قد علم عادته سبحانه في طلوع الشمس والقمر والكواكب والشهور والأعوام، وعادته في خلق الإنسان وغيره من المخلوقات، وعادته فيما عرفه الناس من المطاعم والمشارب والأغذية والأدوية.... » (4) ، والخارق للعادة على هذا المعنى هو المخالف للسنن الكونية التي قدرها الله للمخلوقات, وهي معلومة للناس علما ضروريا، فإذا جاءت آيات الأنبياء خارقة لها علم أن الله قد أراد بها تصديقهم وتأييدهم، لأن الله تعالى هو وحده القادر على خرق تلك السنن.
(1) ... الإنصاف. للباقلاني: ص (54) .
(2) ... لمع الأدلة. للجويني: ص (110) .
(3) ... شرح المقاصد. للتفتازاني: (5/11) .
(4) ... النبوات. لابن تيمية: (2/958- 959) .