قال أبو محمد: معاذ الله من هذا, ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجاز أصلا، لأن العادة في لغة العرب: الدأب والدين والديدن والهجيرى، ألفاظ مترادفة على معنى واحد وهي في أكثر استعمال الإنسان له مما لا يؤمن تركه إياه، ولا ينكر زواله عنه، بل هو ممكن وجود غيره ومثله، بخلاف الطبيعة، التي الخروج عنها ممتنع … وكل هذه الطبائع والعادات مخلوقة، خلقها الله - عز وجل - فرتب الطبيعة على أنها لا تستحيل أبدًا، ولا يمكن تبدلها عند كل ذي عقل، كطبيعة الإنسان بأن يكون ممكنا له التصرف في العلوم والصناعات إن لم يعترضه آفة، وطبيعة الحمير والبغال بأنه غير ممكن منها ذلك، وكطبيعة البر ألا ينبت شعيرًا ولا جوزًا وهكذا كل ما في العالم.
والقوم مقرون بالصفات، وهي الطبيعة نفسها, لأن من الصفات المحمولة في الموصوف ما هو ذاتي به, لا يتوهم زواله إلا بفساد حامله، وسقوط الاسم عنه، كصفات الخمر التي إن زالت عنها صارت خلا، وبطل اسم الخمر عنها، وكصفات الخبز واللحم التي إذا زالت عنها صارت زبلا، وسقط اسم الخبز واللحم عنها، وهكذا كل شيء له صفة ذاتية » (1) .
وهذا الذي ذكره الإمام ابن حزم لازم لهم، ولهذا لم يميزوا بين المعجزة والسحر بأمور ترجع إلى حقيقة كل منهما, ولا يمكنهم ذلك، بل عندهم أن المعجزة والسحر يشتركان في كونهما من خوارق العادات، ثم التمييز بينهما يرجع إلى أمور خارجة عن حقيقة كل منهما، ولا شك أن عدم التفريق بين حقيقة المعجزة وحقيقة السحر قدح في دلالة المعجزة، إذ كيف يمكن أن يسوى برهان النبوة بدجل السحرة وشعوذتهم، وينظر في التفريق بينهما إلى قرائن كل منهما, لا في تمايزهما في الجنس والحقيقة؟
المبحث الثالث: منهج الاستدلال
بالمعجزة عند الأشاعرة
يذكر الأشاعرة في تعريفهم للمعجزة وبيانهم لشروطها أنها لا بد أن تكون خارقة للعادة، مقرونة بالتحدي ودعوى النبوة، سالمة من المعارضة.
(1) ... المرجع السابق: (5/14- 16) .