وفي تقرير حقيقة المعجزة وبيان خاصيتها يقول الإمام ابن حزم: « إن معجز الأنبياء هو خارج عن الرتب وعن طبائع كل ما في العالم، وعن بنية العالم، لا يجري شيء من ذلك على قانون ولا على سنن معلوم، لكن قلب عين، وإحالة صفات ذاتية كشق القمر، وفلق البحر، واختراع طعام وماء، وقلب العصا حية، وإحياء ميت قد أرم، وإخراج ناقة من صخرة...وما أشبه هذا من إحالة الصفات الذاتية التي بوجودها تستحق الأسماء، ومنها تقوم الحدود » (1) .
والأشاعرة وإن قالوا إنهم إنما نفوا السببية حماية للمعجزة التي هي عند بعضهم أهم دلائل النبوة، وعند آخرين الدليل الوحيد على النبوة, إلا أن ما ذهبوا إليه يستلزم ألا يكون للمعجزة دلالة على النبوة، وذلك أنهم إذا نفوا السببية التي يميز بها بين ما يكون خارقا وما لا يكون، لم يمكنهم تمييز المعجزة عن غيرها، لأنهم قد نفوا الأصل الذي به تعرف حقيقة المعجزة.
وقد نقد الإمام ابن حزم الأشاعرة في ذلك، وبين أصل خطئهم في نفي السببية وخواص الأشياء, وربط ذلك بموقفهم من المعجزات وما التزموه فيها، وبين أنه لا يمكن على أصلهم الاستدلال بالمعجزة على النبوة, وفي ذلك يقول: « ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة، وقالوا ليس في النار حر, ولا في الثلج برد, ولا في العالم طبيعة أصلا، وقالوا إنما حدث حر النار جملة, وبرد الثلج عند الملامسةوهذا المذهب الفاسد حداهم إلى أن سموا ما تأتي به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الآيات المعجزات خرق العادة، لأنهم جعلوا امتناع شق القمر، وشق البحر، وامتناع إحياء الموتى، وإخراج ناقة من صخرة، وسائر معجزاتهم إنما هي عادات فقط.
(1) ... الفصل في الملل والأهواء والنحل, ابن حزم: (5/5) .