الصفحة 15 من 42

ويترتب على ذلك أنه إذا كان الأصل إثبات ما للأشياء من خصائص وتأثير، وأن ذلك هو مقتضى السنة الجارية، إلا أن تلك السنة محكومة بإرادة الله تعالى, فإذا أراد سبحانه سلب تلك الأشياء خواصها لم يكن لها التأثير الذي كان لها قبل ذلك، كما جعل الله النار بردا وسلاما على إبراهيم - عليه السلام -، لكن هذا أمر خارق لا ينفي السنة الجارية.

وبهذا يمكن إثبات السببية، وما يقتضيه ذلك من إثبات التلازم بين الأسباب والمسببات، مع الاعتقاد أن ضرورة التلازم بين الأسباب والمسببات ليست مطلقة، أو راجعة للسبب ذاته، بحيث لا يمكن تخلف التلازم بينهما بحال، بل يمكن ألا يوجد المسبب وإن وجد السبب إذا أراد الله ذلك، وهذا إنما يكون إذا أراد الله خرق السنن الجارية، لأمر تقتضيه حكمته تعالى.

وبهذا الأصل تثبت المعجزات، ويعلم وجه دلالتها على النبوة, ويعلم أنه لا يمكن إثبات المعجزات إلا من جهة مخالفتها للسببية والسنن الكونية، لأن حقيقة الإعجاز خرق السنة الجارية، فمن لم يثبت السببية والسنن الكونية لم يكن له أصل يميز به بين المعجزة وغيرها، لأن دلالة المعجزة على النبوة إنما هو من جهة أن المعجزة تصديق وتأييد من الله لأنبيائه، فلا بد أن تكون على وجه تقوم به الحجة، ويعلم بالضرورة أن الله أراد بها تصديق نبيه، ولا يكون ذلك إلا إذا خالفت السنة الكونية بحيث لا يمكن تحققها إلا بقدرة الله وحده.

وبهذا يحصل التمييز بين آيات الأنبياء وما يؤيدهم الله به من المعجزات وبين ما يفعله السحرة، فإن السحر وإن كان من العجائب لا يخرج عن السنة الجارية ومقدور الثقلين، ولذلك يمكن تعلمه وتعليمه، وعلى هذا يكون الفرق بين المعجزة والسحر راجعا إلى اختلافهما في الحقيقة والجنس، بحيث لا يمكن أن يكون بينهما التباس، هذا فضلا عن الاختلاف بينهما بالنظر إلى حال النبي الصادق وما يدعو إليه، وحال المتنبي الكاذب وما يدعو إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت