لكن لا يصح أيضا ما ذهبت إليه الأشاعرة من نفي العلاقة بين الأسباب والمسببات بإطلاق، بل إن ما ذهبوا إليه من ذلك مناقض لضرورة العقل والواقع، كما هو مناقض للحقائق والنصوص الشرعية.
وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق الأشياء وفاوت بين خصائصها, فلا يمكن وجود شيئين لهما نفس الخصائص، و إلا لزم أن تكون الأشياء على تفاوتها شيئا واحدا وهذا في غاية التناقض، وإنما يكون إثبات الأسباب للأشياء من جهة ما لها من خصائص.
ويوضح ابن رشد في ردّه على الغزالي هذه الحقيقة المهمّة، وأنه يلزم من
ينفي السببية أن ينفي وجود الأشياء، لأنها إنما تعرف وتتميز بخصائصها فيقول:
« الأسباب الذاتية لا يفهم الموجود إلا بفهمها، فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات، هي التي اقتضت الأفعال الخاصة بموجود موجود، وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها، فلو لم يكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد، وكانت الأشياء كلها شيئًا واحدًا ولا شيئًا واحدًا، لأن ذلك الواحد يسأل عنه، هل له فعل واحد يخصه أو انفعال يخصه أو ليس له ذلك، فإن كان له فعل يخصه فهنا أفعال خاصة، صادرة عن طبائع خاصة، وإن لم يكن له فعل يخصه واحد فالواحد ليس بواحد، وإذا ارتفعت طبيعة الواحد ارتفعت طبيعة الموجود، وإذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم » (1) .
ومعلوم أن إثبات تلك الخصائص وما يلزم عنها من تأثير وسببية لا يتعارض مع الاعتقاد بأن الله هو الذي خلق الأشياء، وجعل لكل منها ما يختص به من تأثير، يترتب عليه أن يكون سببا لأمر معين، حسب تقدير الله له، كالحرارة في النار، والبرودة في الثلج، وهكذا في كل مخلوق.
(1) ... تهافت التهافت. لابن رشد: ص (505-506) .