الصفحة 13 من 42

ويشرح الدكتور سليمان دنيا موقف الأشاعرة من هذه المسألة فيقول: « تتابع الأشياء لا دليل فيه عندهم على تبعية الثاني للأول, لأنهم يعتقدون أنهما معا ناشئان عن شيء واحد اقتضى وجودهما على هذا النحو من التتابع، فالتتابع نفسه معلول عند الغزالي والأشاعرة، لكن معلولية السابق واللاحق، ومعلولية تتابعهما ليس يعني الضرورة التي لا تتخلف، لأن كل ذلك معلول لإرادة حرة، وما يكون معلولا لإرادة حرة لا يكون حتمي الوقوع » (1) .

وأما ما يتعلق بالمعجزات فيقولون إن إثبات السببية على المعنى السابق يستلزم نفي الخوارق، لأنه إذا كان لا وجود لموجود حادث إلا من جهة أن سببا معينا اقتضى وجوده، على الوجه الذي وجد عليه، فلا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك، وإذا كانت خاصية المعجزات خرق العادات فإنه لا يمكن إثباتها مع القول بالسببية.

وقد ذكر الغزالي ما يخالف فيه الفلاسفة فيما يتعلق بالطبيعيات فقال: « وإنما نخالفهم من جملة هذه العلوم في أربع مسائل:

الأولى: حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب » (2) ، ثم ذكر مستند مخالفته لهم في هذه المسألة فقال: « وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث إنه ينبني عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة من قلب العصا ثعبانا، وإحياء الموتى، وشق القمر، ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوما ضروريا أحال جميع ذلك » (3) .

والحقيقة أن ما ذهب إليه الفلاسفة من القول بالتلازم الضروري بين السبب والمسبب، على الوجه الذي ذكروه، وحكاه عنهم الغزالي، وهو أن يكون المسبب متوقفا على السبب لذاته مناقض لتوحيد الله تعالى، ولا يمكن معه إثبات المعجزات.

(1) ... التفكير الفلسفي الإسلامي. د. سليمان دنيا: ص (187- 188) .

(2) ... تهافت الفلاسفة. للغزالي: ص (235- 236) .

(3) ... المرجع السابق: ص (236) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت