ثم قال في تقرير موقف الأشاعرة من السببية: « الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا، وبين ما يعتقد مسببا، ليس ضروريا عندنا, بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنا لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمنا لإثبات الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب, والشبع والأكل, والاحتراق ولقاء النار, والنور وطلوع الشمس, والموت وجز الرقبة, والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل, وهلم جرا إلى كل المشاهدات، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه بخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريا في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات » (1) .
ووجه التعارض عند الأشاعرة بين إثبات السببية وبين توحيد الله تعالى وإثبات المعجزات أن القول بالسببية لا يفهم منه عندهم إلا الجزم بضرورة التلازم بين السبب والمسبب، وأن ذلك التلازم يعود عند من يثبته إلى ذات السبب، فيلزم منه تقييد قدرة الله تعالى، لأن وجود السبب إذا كان مقتضيا لوجود المسبب لذات السبب لم يكن الله خالقا لذلك المسبب، لأن وجوده حينئذ إنما تحقق من جهة اقتضاء السبب له، وهذا مناقض لتوحيد الله تعالى، وأنه وحده الخالق للمخلوقات، وأن هذا المخلوق كان يمكن ألا يوجد، وأن وجوده إن تحقق فلا بد أن يتعلق بقدرة الله تعالى، وأن إرادة الله تعالى هي التي رجحت وجوده على عدمه.
(1) ... المرجع السابق: ص (239) .