يرجع الإعجاز في حقيقته إلى عجز المخاطبين بالمعجزة عن الإتيان بمثلها، سواء قصد بها تعجيزهم وتحديهم كما حصل في التحدي عن الإتيان بمثل القرآن، أو لم يقصد ذلك كما هو الأصل في آيات الأنبياء، إذ ليس المقصود بها تعجيز المخاطبين عن الإتيان بمثلها، وإنما المقصود تأييد الأنبياء بها، على أنها آيات ودلائل على نبوتهم.
والمخاطبون بتلك المعجزات سواء شاهدوها أو بلغتهم بطريق تثبت به عندهم يعلمون أنه لا يمكنهم أن يأتوا بمثل المعجزات، لكونها خارقة للسنن الكونية المطردة، سواء كانت تلك المعجزات في الأمور العلمية المتعلقة بالأخبار الغيبية، التي يعجز البشر عن العلم بها وفق قدراتهم المعهودة، أو كانت متعلقة بالمحسوسات المشاهدة وما يقع فيها من الإعجاز مخالفًا للسنة المطردة للمخلوقات، بحسب ما لها من خصائص.
وبذا يعلم أن إثبات حقيقة الإعجاز متوقف على إثبات السنن الكونية، وأنه لا يمكن التمييز بين المعجزة وغيرها -مما قد يكون من العجائب، لكن لا يخرج عن السنة الكونية- إلا بالتمييز بين ما يكون تحققه وفق السنة الجارية، فلا يكون معجزة, وما يكون تحققه خارقا لتلك السنة.
ويرجع اضطراب الأشاعرة في هذا الباب إلى موقفهم من السببية والسنن الكونية، حيث أنكروها، وجعلوا إثباتها منافيا للاستدلال بالمعجزات على النبوة, ومنافيا أيضا لتوحيد الله تعالى وعموم قدرته.
ويبيّن الغزالي مستند إنكار السببية ولزوم تقرير ذلك فيقول: « لزم الخوض في هذه المسألة لإثبات المعجزات ولأمر آخر وهو نصرة ما أطبق عليه المسلمون من أن الله تعالى قادر على كل شيء فلنخض في المقصود » (1) .
(1) ... تهافت الفلاسفة. للغزالي: ص (238) .