الصفحة 10 من 42

وقد بينها هرقل لأبي سفيان، وذكر وجه دلالتها على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومما قاله ذلك: (( سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقضون؟ فذكرت أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه ) ) (1) .

وهذه الأسئلة من هرقل دليل على فطنته ورجاحة عقله، وأنه قد سأل عن أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وحال أتباعه ودعوته بما أداه إلى العلم اليقيني بنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف يقال مع ذلك إن هذه الدلالة ليست إلا مكملة لدلالة المعجزة، وأنها لا تدل على النبوة على جهة الاستقلال؟.

المبحث الثاني:

السببية والمعجزة عند الأشاعرة

(1) ... أخرجه البخاري. كتاب بدء الوحي (7) . ومسلم. كتاب الجهاد (1774) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت