وهذه جرائمُ السرقة، ليست بي حاجةٌ أن أُفصِّل لكم ماجنَتْ كثرتها على الأمة وعلى الأمن، وها أنتم أُولاء تسمعون حوادثها وفظائعها، وتقرؤون من أخبارها في كل يوم، وتَروْن السجون قد مُلئَت بأكابر المجرمين العائدين وبتلاميذهم المبتدئين الناشئين، ثم كلما زادوهم سجنًا زادوا طغيانا، ولو أنهم أقاموا ما أُنزل إليهم من ربهم وحدُّوا السارق بما حَكم اللهُ به عليه، لكنتم تتَشوفون إلى أن تسمعوا خبرا واحدا عن سرقة، ثم لو وقع كان فاكهة يتنَدَّرُ الناسُ بها، ذلك أنَّ عقوبة الله حاسمة لايحاول اللصُّ معها أن يختبر ذكاءَه وفنَّه.
إنَّ الله خلق الخلق وهو أعلمُ بهم، وهو يعلم خائنة الأعين وماتُخفي الصدورُ، ويعلم مايُصلح الفرد وما يُصلح الأُمة، وقد شرع الحدود في القرآن زجرًا ونكالا بكلام عربي واضح لايحتملُ التأويل، أفيعتقدُ المخدوعون منَّا بمثل هذه النظريات أن السنيور لمبروزو أعلم بدخائل نفس الجاني من خالقه؟ أم هم يشكُّون في أنَّ هذا القرآن من عند الله؟.
نعم إنَّ القوانين الإفرنجية والنظم الأُوربية، فيها كثيرٌ مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل لكثير من فروض الدين، فيها إباحة الخمور علنا والترخيص رسميًا ببيعها بتصريح كتابيٍ يوقِّع عليه وزيرٌ من وزراء الدولة أو موظفٌ كبير من موظفيها، بل إن فريقًا من رجال الدولة الكبار لايخجلون أن تدار عليهم الخمور في حفلات رسمية ينفق عليها من أموال الدولة بحجة أن هذا إكرام لمدعويهم من الأجانب، أو بما شئت من حجج تجردت من الحياء، حتى إن الدهماء ومن يسمونهم بِسِمَةِ «الطبقة الراقية» اقتدوا بساداتهم وكبرائهم، واستغلوا هذه القوانين فيما يُذهب عقولهم ويُذيب أموالهم، فانحطُّوا إلى الدَّرْكِ الأسفل.
وفيها إباحةُ الميسر بكل أنواعه، بشروط ورخصٍ وضعوها، فخربت البيوت واختلت الأعصاب والعقول مما هو مشاهد يعجز قلمي عن وصفه، وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة من حماية الفجَّار من الرجال والنساء من سلطان الآباء والأولياء بحجة حماية الحرية الشخصية، ثم ما في الحانات والمواخير ثم اختلاط الرجال والنساء ثم المصايف ومافيها من البلاء، ثم هذه المراقص العامة والخاصة بل المراقص التي تُنْفِقُ عليها الدولة في الحفلات والتمثيل، اقتداء بالسادة الأوربيين «ذوي العقول الجبارة التي كشفت الكهرباء والراديو ومعجزات الطيران» ! وفيها إبطالُ الحدودِ التي نزل بها القرآن كلِّها مسايرةً لروح التطور العصريّ واتباعا لمباديء التشريع الحديث! وتبًّا لهذا التشريع الحديث وسُحْقًا، وفيها إهدارُ الدماء في القتلى باشتراط شروط لم يَنْزلْ بها كتابٌ ولاسنةٌ في الحكم بالقصاص، مثل شرط سبق الإصرار مع العمد الموجب وحدَه للقصاص في شرعة الإسلام، ومثلُ البحث فيما يسمونه «الظروف المخففة» و «درس نفسية الجاني وظروفه» ، ومثلُ جَعْلِ حَقِّ العفو للدولة لا لولّي الدم الذي جَعل الله له وحده حقَّ العفو بنص القرآن، فأهدرت الدماء وفَشَا القتلُ للثأر حتى لا رادع، والأُمةُ والحكومةُ والصحفُ وغيرها تتساءَلُ عن علة ازدياد جرائم القتل؟ والعلةُ في هذه القوانين التي خالفت العرفَ والدين، إلى غير ذلك مما لا نستطيع أن نحصيه في هذه الكلمة.