الصفحة 6 من 88

وكان التشريع الإسلامي يدخل القلوب ويرققها ويطهرها من الدنايا، فكان المسلمُ إذا حَكم الحاكم أو قضي القاضي علم أن دينه يأمره في دخيلة نفسه أن يسمع ويُطيع، وأنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله يوم القيامة قبل أن يكون مسؤولا عند الناس، وعلم أنه إن عصَى ما قضى به قاضيه كان عاصيًا لربه...هذه تربيةُ الشريعة للأمة، فانظروا تربيةَ القوانين المادية الأجنبية، لم يحترمها المسلمون في عقيدتهم ودينهم وإنما رَهِبوها وخافوا آثارَها الظاهرة، ولم يعتقدوا وجوبَ طاعتها في أنفسهم فكان مانرى من اللَّدَدِ في الخصومة والإسراف في التقاضي واتباع المطامع والتغالي في إطالة الإجراءات، والتَّفَصِّي بالحيل القضائية عن تنفيذ الأحكام، وعمَّ هذا كلُّه دُورَ القضاء شرعيةً وغيرها، ذلك أن الناس مردت نفوسهم على الباطل، وفقدوا قلوبهم فاتبعوا شهواتهم وأسلسُوا لشيطان المادة مقادهم.

وكان مانرى من إباحية سافرة فاجرة، عصفت بالأخلاق السامية والتقاليد النبيلة، حتى كادت تُوردُنا موارد الهلكة، ثم قد أجرمت هذه القوانين في حق الأمة والدين أكبر الجرائم، فبثَّتْ في كثير من الناس روحَ الإلحاد والتمرد على الدين أو حَمَتْها وساعدت على بقائها ونمائها، وحَمَت التبشيرَ وما وراءه من منكرات ومفاسد بما تدعيه من حرية الأديان، كان من أثر مباديء التشريع الحديث أن تعجز الأمة عن تربية ناشئتها على قواعد الإسلام، وأن تُحاول جعل تعليم الدين إجباريًا في مدارسها فلا تصلُ إليه، وأن تُوجد في البلد مدارس تُرُبِّي أبناء المسلمين وتعلمهم غير دينهم وغير لغتهم فتسلخُهم من الأمة، ثم يكونون حربًا عليها في عقائدها وآدابها وأن يكون ذلك عن رِضَى المستضعفين من آبائهم...وكان من أثر التربية المدنية المادية والغلوّ في تقليد أُوربة وتَرَسُّمِ خُطَاها، أن ظَنَّ ضعاف الإيمان أن التعليم الجامعيَّ لايكون صحيحًا إلا بمحاربة الدين أو بالانسلاخ من الدين، فذهب الذين تَوَلَّوْا كِبْره منهم يُذيعون هذا النَّغم ويضربون على هذا الوتر، يستهوون العقول الناشئة ويستميلون القلوب الغضَّة يريدون أن يخدعوا الشباب، والشَّباب سياج الأُمة والدين.

إن هذه القوانين الأجنبية كادت تقضي على ما بقي في أمتكم من دينٍ وخُلُق، فأُبيحت الأعراضُ وسُفكت الدماء، لم تَنْه فاسقا ولم تزجر مجرمًا، حتى اكتظت السجونُ وصارت مدارس لإخراج زعماء المجرمين، ونزَعَت من الناس الغَيْرَةَ والرجولة، وامتلأ البلدُ بالمراقص والمواخير، وشاع الاختلاط بين الرجال والنساء، حتى لا مُزْدَجَر، وصرتم تَرَوْن ماتَرَوْن وتقرؤون ما تقرؤون في الصحف والمجلات والكتب بما يَسَّرت من سُبُل الشهوات وبما حَمَت من الإباحية السافرة المستهترة، وبما نزعت من القلوب الإيمان حتى صار المنكر معروفا والمعروف منكرا...ولو أننا حكَّمنا شريعتنا وأطعنا ربَّنا وأعطينا الدماء حقَّها وحرمتها، فوضعنا القصاص موضعه وتركنا في جريمة القتل العمدِ الشروط التي ليست في كتاب الله وما يُسمَّى الظروف المخففَّة، وتركنا هذه الإجراءات المطوَّلة المعقَّدة وأسرعنا في إقامة العدل وأظهرنا منه موضع العبرة والموعظة، لو فعلنا هذا لنقصت جرائمُ القتلِ نقصا بيِّنا لِما يعلمُ القاتلُ أنَّ يد الشرعِ لاتُفْلتِهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت