الصفحة 35 من 88

أعلم.اهـ [1]

وقال الشنقيطي رحمه الله في قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...) الآية: فإن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - كيف اتخذوهم أربابا؟ قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم) ، وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابا.

ويُفهَم من هذه الآيات بوضوح لا لبس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ما جاءت به الرسل فهو كافر بالله عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء، لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم. اهـ [2] ... ...

وقال سيد قطب رحمه الله: ومن النص القرآني الواضح الدلالة ومن تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فصل الخطاب ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار.

إن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابا بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية لهم، ومع هذا فقد حكم الله سبحانه عليهم بالشرك في هذه الآية، وبالكفر في آية تالية في السياق لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوهم واتبعوها، فهذا وحده دون الاعتقاد والشعائر يكفي لاعتبار من يفعله مشركا الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين.

إن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه، وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة، فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين.

إن الشرك بالله يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عباده ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته. اهـ [3]

وفي بيان المناط المكفر في مسألة الطاعة لغير الله تعالى يقول ابن تيمية رحمه الله: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما

(1) فتح المجيد / 110 ـ 111، ط: دار الفكر.

(2) أضواء البيان في تأويل القرآن بالقرآن للشنقيطي ج1 / 476.

(3) الظلال لسيد قطب، ج 3 / 1642.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت