وصاروا بذلك أربابا من دون الله، ثم نازعهم الملوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان، ثم جاء العلمانيون فنزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء ونقلوه إلى هيئة تمثل الأمة أو الشعب أطلق عليها اسم البرلمان أو مجلس النواب [1]
قال ابن كثير رحمه الله: وقوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم) ، روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرَّ إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم مَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغَّبَته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .فقدم عدي - رضي الله عنه - إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ وفي عنق عدي صليب من فضة ـ وهو يقرأ هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال عدي: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم...) [2] الحديث...إلى أن قال ابن كثير رحمه الله:
وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ (لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنُّظَرَاء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. اهـ [3]
وقال البغوي رحمه الله: فإن قيل إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان ـ بمعنى الركوع والسجود ـ قلنا: معناه إنهم أطاعوهم في معصية الله، واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب. اهـ [4] ...
وقال ابن تيمية رحمه الله: وقد قال تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) ، وذكر حديث عدي ثم قال: وكذلك قال أبو البحتري: أما إنهم لم يصلوا لهم ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وجعلوا حرام الله حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية، وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أُمِرُوا به ونُهُوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
فقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال، وقد بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله (لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) . اهـ [5]
قلت: وما ورد في كلام حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأبي البختري وأبي العالية والسدي والبغوي وابن تيمية رحمهم الله يبين بما لا يدع قولا لقائل أن سبب الشرك في بني إسرائيل ليس الركوع والسجود لغير الله تعالى، ولكنهم تركوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم واتبعوا أقوال البشر المخالفة لشرع الله تعالى ودينه، وأن الربوبية لغير الله فيهم لم تكن من جهة الصلاة والصيام، بل من جهة قبول التشريع والحكم.
وبنظرة فاحصة يتبين أن كفر الأوائل كان أخف مما يقع في عصرنا الحاضر من هذا النوع من الكفر، فالأوائل قد أطاعوا الأحبار ـ أي العلماء ـ والرهبان ـ أي العباد ـ وأما مشركوا هذا العصر فأسوأ حالا وأضل سبيلا، فهم يطيعون الجهال والفساق بل والكفار الذين لا يعرفون حق الله تعالى ولا أحكام دينه، ومن هنا يتبين كيف ارتكس الناس في حمأة الجاهلية الأولى مرة أخرى، وهم يدعون الحضارة والتقدم والمدنية.
وقد قال ابن تيمية رحمه الله أيضا: فمن جعل غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد جعله ندا، وربما صنع به ما تصنع النصارى بالمسيح، فهذا من الشرك الذي يدخل صاحبه في قوله تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) . اهـ [6]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتابه فتح المجيد معلقا على آية التوبة: فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله، وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله الله، وأطاعه في معصية الله، واتبعه فيما لم يأذن به الله، فقد اتخذه ربا ومعبودا وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) .
فإن الإله هو المعبود، وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم، وسماهم أربابا، كما قال تعالى (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) ، أي شركاء لله تعالى في العبادة) أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (وهذا هو الشرك، فكل معبود رب، وكل مُطَاع ومُتَّبَع على غير ما شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع المتبع ربا معبودا، كما قال تعالى في آية الأنعام (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (وهذا هو وجه مطابقة الآية للترجمة، ويشبه هذه الآية في المعنى قوله تعالى(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) والله
(1) راجع نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية لصلاح الصاوي /19 ـ20.
(2) حديث عدي بن حاتم رواه الترمذي وحسنه، وحسنه أيضا ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج7/76، ورواه أيضا ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي.
(3) تفسير ابن كثير، ج2/544 ـ 545، ط: دار الفكر.
(4) تفسير البغوي، ج 3 / 285.
(5) مجموع الفتاوى، ج 7 / 67.
(6) مجموع الفتاوى، ج 10 / 267، والآية من سورة البقرة: 165.