والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق، هذه لفظ مسلم [1] ، فانظر كيف فهم صديق الأمة أن النبي لم يرد مجرد اللفظ بها من غير إلزام لمعناها وأحكامها، فكان ذلك هو الصواب واتفق عليه الصحابة ولم يختلف فيه منهم اثنان إلا ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق، وكان فهم الصديق هو الموافق لنصوص القرآن والسنة، وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) [2] ، فهذا الحديث كأية برآءة بيَّن فيه ما يقاتل عليه الناس ابتداء، فإذا فعلوه وجب الكف عنهم إلا بحقه، فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض هذا الإقرار والدخول في الإسلام وجب القتال حتى يكون الدين كله لله...إلى آخر قوله رحمه الله [3]
الدليل الثاني
قال تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) [4]
فهذه الآية تبين بجلاء ووضوح أن سببا رئيسيا في كفر أهل الكتابين من قبلنا هو طاعتهم للأحبار والرهبان في التحليل والتحريم ونبذ حكم الله تعالى، وهذا الحكم ثابت في حق كل من أعطى لغير الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - حق الطاعة المطلقة، وهذا هو عين ما يفعله الطواغيت في برلماناتهم الشركية، فإنهم يعطون بعض البشر حق التشريع للناس من دون الله تعالى، ويلزمون الناس بطاعة هذه التشريعات ويحرمون معصيتها، بل ويعاقبون من خرج عليها أو تمرد على تنفيذها.
ولئن كان أهل الكتابين من قبلنا قد كفروا بطاعتهم للعلماء ـ أي الأحبار ـ والعُبَّاد ـ أي الرهبان ـ في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكيف بمن أطاع العلمانيين أو الملحدين أو الفاسدين أو من لا يحسن تلاوة القرآن ولا يعرف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس بالطبع عالما ولا عابدا.
فلا شك أن من أعطى هؤلاء أو غيرهم حق التشريع من دون الله تعالى ـ تحت أي مسمى من المسميات ـ فقد كفر بالله تعالى وخرج عن ملة الإسلام.
إن طواغيت البشر - قديما وحديثا - قد نازعوا الله في حق الأمر والنهي والتشريع بغير سلطان من الله تعالى، فادعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم فأحلوا به الحرام وحرموا به الحلال واستطالوا به على عباد الله
(1) ) ) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي ومالك وابن أبي شيبة وأبو يعلى.
(2) ) ) سبق تخريجه.
(3) ) ) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ج1/118: 120.
(4) سورة التوبة، الآية: 13.