الديمقراطيات كما يقع في أحط الدكتاتوريات.
إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبيد الناس، حق إقامة الأنظمة والمناهج والشرائع والقوانين والقِيَم والموازين، وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس ـ في صورة من الصور ـ ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع، وهذه المجموعة هي التي تخضع الآخرين لتشريعها وموازينها وتصوراتها وهي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أرباب من دون الله. اهـ [1]
وما سبق من أقوال أهل العلم والتفسير يبين بوضوح أن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو المبلغ عن الله تعالى، وأن هذه الطاعة لله تعالى هي اعتراف بالربوبية له تعالى، وأن من أطاع غير الله تعالى في تحليل الحرام أو تحريم الحلال فقد اتخذ هذا الغير ـ أيا كان هذا الغير فردا أو هيئة أو حزبا أو برلمانا أو حاكما ـ ربا وإلها من دون الله تعالى.
ومن المعلوم أن الأنظمة الديمقراطية تقوم على اختيار محموعة من البشر يُنتَخبون من قِبَل جمهور الناس ليشرعوا لهم ما يحتاجون إليه من قوانين وتشريعات، وهذه القوانين والتشريعات التي يصدرها هؤلاء لها قوة بحيث أنه لا يجوز لأحد الخروج عنها أو مخالفتها وإلا تعرض للعقوبة، ويُلزم القضاة في الحكم بها للفصل بين الناس فيما يقع من خصومات، ويصدروون أحكامهم هذه بلفظة: باسم الشعب، هذا في الأنظمة الديمقراطية، أما في الأنظمة الدكتاتورية فالذين يتولون التشريع للناس مجموعة أقل مما في النظام الديمقراطي في العادة، وهم أعضاء الحزب الحاكم في الغالب، وتكون الصرامة في تنفيذ هذه القوانين أشد والعقوبة على المخالفة أعظم.
ومن المعلوم أن الذي يفعله هؤلاء وهؤلاء هو عين الشرك بالله تعالى، وهو عين اتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله، فإن الصفة التي يصبغها هؤلاء الطواغيت على مشرعيهم لا تجوز بحال إلا لرب الأرباب تبارك وتعالى رب السمواوات والأرض سبحانه، وصفة الإلزام التي يصبغون بها تشريعهم الباطل لا تكون إلا للتشريع الذي نزل من عند الله تعالى، فالله هو الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ سبحانه وتعالى عما يشركون.
ومن هذا يتبين أن طاعة القوانين الوضعية التي يشرعها الطواغيت في البرلمانات الشركية للناس، وإعطائها صفة الإلزام والتي لا تكون إلأ لأحكام الشريعة كفر وشرك بالله تعالى، وهؤلاء لا تجوز طاعتهم فيها، بل يجب على كل مسلم الكفر بها وبمشرِّعيها لأنهم أرباب من دون الله تعالى، فإن هذا هو أساس التوحيد الذي لا يصح إلا به، قال تعالى (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) [2] ، والعروة الوثقى هي الشهادتين، فمن لم يكفر بالقوانين الطاغوتية وبالطواغيت من المشرعين لها فليس بمؤمن بنص القرآن الصريح.
ولذلك فقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يصير الإنسان مؤمنا ولا يحرم الدم والمال إلا بالإيمان بالله تعالى والكفر بكل الطواغيت المعبودة من دون الله، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) ) [3]
قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يُعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع. اهـ [4]
وقال حفيده الشيخ سليمان رحمه الله: اعلم أن النبي في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين، الأول: قول لا اله الا الله، الثاني: الكفر فيمن يعبد من دون الله، فلم يكتف بلفظ المجرد عن المعني بل لا بد من قولها والعمل بها... وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد والتزام أحكامه وترك الشرك، كما قال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) [5] ، والفتنة هنا الشرك فدل على أنه إذا وجد الشرك فالقتال باق بحاله، كما قال تعالى (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) [6] ، وقال تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) [7] ، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامه شعائر الدين الظاهرة فإذا فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باق بحاله إجماعا ولو قالوا لا إله إلا الله، وكذلك النبي علق العصمة بما علقها الله به في كتابه، كما في هذا الحديث وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا (أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) [8] ، وفي الصحيحين عنه قال: لما توفي رسول الله وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) ، فقال أبو بكر:
(1) ( (في ظلال القرآن لسيد قطب، ج1 / 406.
(2) سورة البقرة، الآية: 256.
(3) رواه مسلم عن أبي مالك الأشجعي - رضي الله عنه - ، ورواه الإمام أحمد بلفظ (من وحَّد الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل) ، ورواه أيضا ابن حبان وابن أبي شيبة.
(4) ( (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد / 84، ط: الرياض.
(5) ) ) سورة الأنفال، الآية: 39.
(6) ) ) سورة التوبة، الآية: 36.
(7) ) ) سورة التوبة، الآية: 5.
(8) ) ) رواه بهذا اللفظ مسلم وابن حبان والبيهقي في السنن والاعتقاد والطبراني