الصفحة 31 من 88

مسألة الحكم والتشريع.

قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: قوله تعالى (قل يا أهل الكتاب) الخطاب في قول الحسن وابن زيد والسدي لأهل نجران، وفي قول قتادة وابن جريج وغيرهما ليهود المدينة، خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب...إلى قوله:

قوله تعالى (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى، وهو نظير قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) ، معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله...إلى أن قال القرطبي رحمه الله:

(فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) ، أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لله علينا في المن والإنعام، غير متخذين أحدا ربا لا عيسى ولا عزيرا ولا الملائكة، لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا، ولا نقبل من الرهبان شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا، فنكون قد اتخذناهم أربابا.اهـ [1]

ويظهر من كلام القرطبي رحمه الله أنه قد اعتبر الطاعة لغير الله في التحليل والتحريم عبادة لغير الله تعالى، وأن من أطاع غير الله تعالى في ذلك فقد أنزله منزلة الرب تبارك وتعالى، وأعطاه الحق الذي لا يجوز إلا لله تبارك وتعالى، وهذا أحد المناطات المكفرة في مسألة الحكم والتشريع، وهذا هو نفس المعنى الذي ذكره ابن كثير رحمه الله عن أهل التفسير. ...

قال ابن كثير رحمه الله: هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة) ، والكلمة تُطْلَق على الجملة المفيدة، كما قال هاهنا، ثم وصفها بقوله (سواء بيننا وبينكم) ، أي عدل ونَصَف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله (أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا) ، لا وثنًا ولا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا ولا شيئًا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) ، وقال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) ، ثم قال تعالى (ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله) ، وقال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله، وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) ، أي فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة، فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم) [2] . اهـ ...

وقال سيد قطب رحمه الله مبينا حكم من ادعى لنفسه حق التشريع للناس من دون الله: إن أظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية تعبيد العبيد والتشريع لهم في حياتهم وإقامة الموازين لهم، فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام نفسه للناس إلها من دون الله...إلى أن قال رحمه الله: إن الناس في جميع الأنظمة الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله يقع هذا في أرقى

(1) تفسير القرطبي، ج 4 / 114، ط: دار الفكر.

(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير/ 555، ط: دار الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت