وأعظم ما يتقربون به إلى الله تعالى الحكم بشرعه ومتابعة أمره والتحاكم إليه في كل كبيرة وصغيرة.
وإن من أعظم الذنوب عند الله تعالى أن يُجعل لله ند في التشريع والحكم وتدبير الملك، ولذلك فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن أعظم الذنوب: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) [1] وقد قال تعالى (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) [2] ، وهذا نص واضح في أن الحكم بما أنزل الله تعالى في كتابه من أجل العبادات وأعظمها.
وقد أمر تعالى الحكام والقضاة وكل من يفصل الخصومات بين الناس بالحكم بشريعة الله تعالى، وحذرهم من اتباع أهواء الكفار والمشركين، فقال تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - والخطاب لأمته تبع له (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) [3] ، وقال تعالى لنبيه داود عليه السلام (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) [4] ، فالحكم إما أن يكون بشريعة الله تعالى التي بينها على ألسنة رسله وإما أن يكون بالهوى الذي لا نصيب له من اتباع أمر الله تعالى، ولذلك فإنه لا تصح كلمة التوحيد ـ وهي أساس الإسلام ـ من عبد أو طائفة أو حزب أو دولة أو حكومة أو نظام يتخذ مع الله شريكا في الحكم والتشريع فيلتمس من القوانين والشرائع التي تنظم الحياة من غير القرآن والسنة.
وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن من شرع لنفسه أو للناس شريعة لم يأذن بها الله تعالى فقد جعل نفسه شريكا لله تعالى في أخص خصائص الألوهية، قال تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم) [5] .
فقد وصف الله تعالى من شرع للناس أحكاما لا يهتدي فيها بشريعة الله تعالى بأنه قد نصب نفسه شريكا مع الله تعالى، وأن من اعتقد استحقاق غير الله تعالى للحكم بين الناس والتشريع لهم فقد اتخذ هذا الغير شريكا مع الله تعالى، سواء قال ذلك بلسان مقاله أو كان ذلك بلسان حاله وفعله فكلاهما في الدلالة سواء.
وهذا التشريع من دون الله تعالى والذي لا يخضع إلا لأهواء البشر هو الوثنية القديمة في ثوبها الجديد، وهو الرجوع إلى عهد تقديس البشر وعبادتهم من دون الله تعالى، فإن الوثنية القديمة إنما كانت تقوم على تقديس غير الله تعالى، أو تحكيم غير شريعته سبحانه، أو تشريع ما يضاد وينافي شريعته التي شرعها على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام وهي بعينها ما نشاهده اليوم في مجتمعاتنا في الوثنية الحديثة.
إن الحالة التي تواجهها مجتمعاتنا المعاصرة هي حالة الإنكار على الإسلام أن تكون له صلة بشؤون الدولة والحجر عليه ابتداء أن تتدخل شرائعه لتنظيم هذه الجوانب، وتقرير الحق في التشريع المطلق في هذه الأمور
(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد.
(2) سورة يوسف، الآية: 40.
(3) سورة المائدة، الآية: 49.
(4) سورة ص، الآية: 26.
(5) سورة الشورى، الآية: 21.