وسُنَّة الاستدراج: هي الفعل الذي يقع من العبد؛ ليقع به العذاب المستحق، وهي داخلة ضمن السنن الأصلية للإهلاك: سُنَّة الإنذار.. سُنَّة الإمهال.. سُنَّة الاستدراج.. سُنَّة الاستحقاق.. سُنَّة الكشف.. سُنَّة الميعاد.. سُنَّة الإهلاك الفعلي.
ويفصِّل ابن القيم طريقة استحقاق الهلاك فيقول: (وتَحِقُّ كلمة الهلاك بإنزال الأمر والنهي، ثم إظهار قدر اتباعهم هوى أنفسهم، ثم قيام الحجة عليهم بالعدل، ثم يكون العقاب بمثلهم) (1) .
(فَعادةُ الرب تعالى -المعلومة في خلقه- أنه حينما يتحتم هلاك قومٍ بمعاصيهم فإنه يُحدثُ سببًا آخر يتحتم معه الهلاك، ألا ترى: أنَّ ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أراهم الآيات المتتابعات، واستحكم بغيهم وعنادهم، فحينئذ أُهلكوا، وكذلك قوم لوط لما أراد إهلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف، فقصدوهم بالفاحشة.
وكذلك سائر الأمم، إن أراد الله هلاكها أحدث لهم بغيًا وعدوانًا، بحيث يأخذهم على أثره، وهذه عادته مع عباده عمومًا وخصوصًا، فيعصيه العبد وهو يحلُم، ولا يعاجله، حتى إذا أراد أخذه.. قيض له عملًا يأخذه بعقوبته، مضافًا إلى أعماله الأولى، فيظن الظان أن أخذه كان بذلك العمل وحده، وليس كذلك، بل حق عليه القول بذلك، وكان قبل ذلك لم يَحِق القول بأعماله الأولى، حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه، ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين، ولم يمضِ الحكم، فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب أمضى حكمه وأنفذه، قال تعالى: { فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } [الزخرف: 55] ..
وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله، ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم، إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم، فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم.. فحلت العقوبة، فهذا الموضوع من أسرار القرآن، ومن أسرار التقدير الإلهي).
(1) مدارج السالكين (1/167) .