الصفحة 9 من 45

ومن هنا كان حدث التشبيه هو السبب الذي قدره الله لوقوع الغضب على اليهود، فكان ادعاؤهم قتل المسيح له نفس دلالة المحاولة الفعلية التي وقعت على المشبه به، والتي استحق اليهود بها الغضب، ولذلك جاء هذا الادعاء ضمن أكبر الذنوب المحسوبة عليهم أمام الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا القول -بعد المحاولة الفعلية التي وقعت على المشبه- دليل على القصد التام من المحاولة، والإصرار على هذا القصد.

ودليل ذلك من كلام ابن القيم قوله: (فإذا أراد إهلاكهم ولا بد.. أحدث سببًا آخر يتحتم معه الهلاك) ، وكان دليلها العام في القرآن هو قول الله: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } [الإسراء: 16] .

قال الإمام البغوي في تفسير قوله تعالى: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ } [آل عمران: 54-55] :

(المكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد، وأخذه بغتة من حيث لا يعلم، كما قال سبحانه: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } [الأعراف: 182] ، وقال الزجاج: مكر الله عز وجل: مجازاتهم على مكرهم، فسُمِّي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته، كقوله تعالى: { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } [البقرة: 15] ، وقوله: { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء: 142] ، ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشَبه على صاحبهم(1) .

(1) يراجع المسيح دراسة سلفية - فصل: الهيمنة بالتبيين النبوي.. للمؤلف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت