وكان التجانس في خلق يحيى وعيسى هو أساس معنى بُشْرى يحيى بعيسى.. والتجانس بين البُشْرى والمبشَّر بها قاعدة قدرية ثابتة، جاء فيها قول الله سبحانه: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } [الأعراف: 57] ، فلما كانت الرياح بُشْرى بين يدي المطر دل ذلك على أن البُشْرى من جنس المبشَّر به، الأمر الذي انطبق على بُشْرى يحيى بعيسى، باعتبار أن عيسى كان بكلمة الله التي ولد بها من غير أب.. وأن ولادة يحيى تقارب ولادة عيسى ومن جنسها، من حيث عدم وجود صلاحية السبب في الولادة بالنسبة ليحيى، كما قال زكريا: { قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } [آل عمران: 37] ، وعدم وجود السبب أصلًا بالنسبة لعيسى..!
والدليل على هذا الفهم.. هو الصيغة القرآنية للبُشْرى بعيسى: { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [آل عمران: 39] ، فجاءت البُشْرى بولادة يحيى، بصفته مصدقًا بـ"كلمة من الله"عيسى، وكان هذا التصديق هو أول صفات يحيى في خبر البُشْرى التي بشر الله بها زكريا بولادته.
ومعنى بُشْرى يحيى بعيسى هو نفسه معنى بُشْرى عيسى برسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي ں@fدنآuژَ خ) إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الصف: 6] .
وكما كان لخلق عيسى مقدمات تدل عليه.. كان خلق عيسى نفسه مقدمة لقدر إلهي أكبر، وهو الساعة.
الجانب الثالث: عيسى والساعة