الصفحة 37 من 45

يفسر ابن القيم هذه الحقيقة فيقول في تفسير قوله عز وجل: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [الصافات: 171-173] .

(فكما غلبت الرحمة غلب جنودها) ..

ولهذا أورد البخاري في باب: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ } قول النبي:"لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي" (1) .

ولما كان عيسى هو"جانب الخير"المقابل للدجال"جانب الشر"فإن القاعدة تنطبق على العلاقة بين عيسى والدجال وفقًا للعلاقة بين الخير والشر.

ويقول ابن القيم في تفسير قول النبي:"لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك" (2) :

(الشرُّ كله عدم، وسببه الجهل وهو عدم العلم، أو الظلم وهو عدم العدل، وما يترتب على ذلك من الآلام، فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) (3) .

فلما كان الشر عدمًا أمام الخير فإن الدجال ينعدم أمام عيسى، ولذلك تصف الأحاديث قتل عيسى للدجال بأنه:

"يذُوب كما يذُوب الرصاص"أو"يذوب كما يذوب الملح"أي ينعدم الدجال"الشر"أمام عيسى"الخير".

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فإذا رآه عدوُّ الله ذابَ كما يذُوب الملحُ في الماء" (4) .

وأصل التجانس بين الدجال والملح هو افتقاد الشر لوجودٍ أصلي، ومن هنا كان الذوبان مثالًا للشر وعقوبة عليه، باعتبار أن الجزاء من جنس العمل، ولذلك كان الذوبان والشر المطلق جنسًا واحدًا وهو"العدم".

(1) أخرجه البخاري (7422، 7453، 7554) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) أخرجه مسلم (1848) عن علي رضي الله عنه.

(3) شفاء العليل.

(4) أخرجه مسلم (7460) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت