والمنهج السلفي في فهم قضية المسيح يقتضي الوقوف عند حدِّ النصوص الشرعية.. فلا ننشغل بمسألة لم يرد فيها نصٌّ شرعي، مثل مسألة شخص المشبه به، وبذلك تثبت الحدود العقدية للقضية؛ فلا نُدخل فيها ما ليس منها.
وتقرير هذه القاعدة لا يمنع مناقشة أي اجتهاد إسلامي يمكن الاستئناس به، لكنه يمنع من التفرق والاختلاف حول مسألة ليست داخلة ضمن التصور السلفي لقضية المسيح.
ومن المهم أيضًا التأكيد على أن زاوية الاهتمام بالمشبه به ليست شخصَه، ولكن تفسير موقفه في ضوء حكمة الفعل الإلهي.
والرواية السلفية الثابتة في هذا الموضوع وردت عن حبر الأمة عبد الله بن عباس.. قال:
(لما أراد الله أن يرفع عيسى عليه السلام إلى السماء خرج على أصحابه وهم في بيت؛ اثنا عشر رجلا، ورأسه يقطر ماءً، فقال: أيُّكم يُلقى شبهي عليه فيُقتل مكاني فيكون معي في درجتي..؟
فقام شابٌّ من أحدثهم سنًّا، فقال: أنا..! فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا..! فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم الثالثة، فقال الشاب: أنا..! فقال عيسى عليه السلام: نعم أنت..! فَأُلقِيَ عليه شبه عيسى عليه السلام، ثم رُفِعَ عيسى من روزَنة كانت في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشاب للشبه فقتلوه، ثم صلبوه) (1) .
قال ابن كثير: (وهذا إسنادٌ صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه، وكذا ذكره غير واحد من السلف) .
وبذلك ينطبق مصطلح"حواري"أول ما ينطبق على هذا الشاب، وتذكِّرنا هذه الرواية بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليله الخندق:"من يأتيني بخبر القوم.."فقام الزبير وقال:"أنا"ثلاث مرات فقال رسول الله:"لكل نبيٍّ حواريٌّ.. وحواريِّي الزبير.." (2) .
(1) أخرجه النسائي (6/489) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (6/339) .
(2) أخرجه مسلم (2415) ، والبخاري (6833) كلاهما من حديث جابر بن عبد الله.